تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
والنّجم إذا هوى ، فلمّا بلغ قوله تعالى :
وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى
، سكت . فقرأ الشيطان : « تلك الغرانيق العلى ، وإنّ شفاعتهنّ لترجى » فوقع عند بعضهم أنه صلّى اللّه عليه وآله قرأ ذلك ، وكان الشيطان في ذلك الحين يتكلّم ويسمع كلامه الحاضرون في المسجد دون أن يروه . ويمكن أن يكون التمنّي على ظاهره ، أي : وما من رسول ولا نبيّ إلّا إذا تمنّى لأمّته الإيمان ، ألقى الشيطان في طريق أمنيّته العثرات وأقام بينه وبين مقصده العقبات ، فينسخ اللّه ما يلقي الشيطان من الموانع والعوائق التي يبثّها في قلوب أوليائه ، ثم يحكم اللّه آياته بأن يجعلها ثابتة ومتقبّلة لدى المؤمنين ؛ ولعل هذا الوجه أوجه واللّه العالم . ونرجع فنقول : إنما سمّيت التلاوة أمنيّة لأن القارئ إذا قرأ فانتهى إلى آخر آية رحمة تمنّى أن يرحمه اللّه تعالى ، وإذا انتهى إلى آخر آية عذاب تمنّى أن يوقاه ودعا اللّه أن ينجّيه منه . والحاصل أنه سبحانه ينسخ ما يلقي الشيطان أثناء التلاوة ويبطله ويزيله بعصمته وهدايته إلى ما هو الحق ، ثم يحكم آياته فيثبت دلائله الداعية إلى مخالفة الشيطان اللّعين
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
عالم بما يجري غاية العلم ، حكيم فيما يقضي بأعظم الحكمة . أمّا إلقاء الشيطان في الأمنيّات فهو : 53 -
لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ . . .
أي ليصير إلقاء الشيطان امتحانا واختبارا لمرضى القلوب ومزعزعي العقيدة
وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ
المتحجّرة التي لا يلجها ذكر اللّه تعالى . وهذه الآية الكريمة تبيّن علّة تمكين اللّه تعالى للشيطان بأن يلقي في وقت تلاوة الرّسل والأنبياء ما يشبه الذي نزل من عنده ، وهو ليس من عنده ، فيقع في القلوب المتردّدة الشاكّة لدى المنافقين . وعبارة : والقاسية قلوبهم عطف على الموصول ، وهم الكفرة . فحاصل الكريمة أن علّة التمكين من الإلقاء هي لمزيد كفر الكفرة ونفاق المنافقين المعاندين لعدم تأمّلهم وتفكّرهم في الفرق