تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 538

مساهمون:

ص٥٣٨
ويمكن أن يكون المراد بالاستطاعة القوّة أو القدرة التي قاسوها بقدرة البشر أو استطاعتهم أو أنها فوق ذلك لتعلّقها باللّه تعالى وهي فيه سبحانه أشد وأقوى . وإنّ فهم الناس وإدراكهم في ذلك العصر المعاند للأنبياء والرسل لا يقتضي أكثر من قولهم هذا . وقد قيل إن هذه الأسئلة من الحواريين كانت في أوائل عهد إيمانهم وبدء ملازمتهم لعيسى عليه السلام ، وقبل أن تستحكم معرفتهم باللّه عزّ وجل . ولذلك أساؤا الأدب مع اللّه تعالى ومع نبيّه في قولهم : هل يستطيع ربك . . فهذا لسان إساءة عند أهل الأدب والفصاحة لأنه يدل على التحدي نوعا ما . بل البلاغة والأدب كانا يقتضيان أن لا يقولوا له : يا عيسى بن مريم ، بل يا نبيّ اللّه أو يا روح اللّه ، أو يا رسول اللّه بدلا من نسبته إلى أمه . فالتعبير الذي أثبته اللّه سبحانه في هذه الآية بسائر أجزائها يدل على أنه سجّل عليهم شدة في خطاب نبيّهم بدليل قول نبيّهم عليه السلام : اتّقوا اللّه إن كنتم مؤمنين . وعيسى عليه السلام من أولي العزم وما كان ينبغي أن يخاطب بهذه اللهجة ولا أن يجيب بهذه القساوة لولا ما ذكرناه في أعلاه ، ولولا أن بين الحواريين من يشك في إيمانه وإخلاصه كما تصرّح الآيات الأخرى الواردة في موضوع الحواريين رضوان اللّه عليهم . والحاصل أن هذه التعابير تكشف عن قصور الإيمان ، أو قصور الفهم لمعاني الربوبية والنبوّة ، أو العناد من مؤمنين هم في أولى مراتب إيمانهم وأول عهد تديّنهم . والأولى بنا أن نحمل معنى الاستطاعة المسؤول عنها هنا ، على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة ، أي أن سؤالهم في الحقيقة أنه : هل تقتضي حكمة ربك النوعية - عقلا - أن ينزّل علينا مائدة من السماء تكون إعجازا يظهر قدرة من هو على كل شيء قدير ؟ . . . وهذا الحمل هو أحسن ما يرد لحفظ قداسة الحواريين . . ولذلك قد قرئت : هل تستطيع ربّك ، أي هل تقدر أنت على سؤال ربك . . وجملة ينزّل في محل نصب بناء على كونها مفعولا به ليستطيع .