تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً
أي تنزه اللّه تعالى عما لا يليق به ، وتعالى ، أي ارتفع وعلا عما يقول هؤلاء المشركون المعتدون الظالمون في زعمهم أن معه آلهة أخرى ، تعاليا كبيرا ، بل هو اللّه الأحد الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد . وفي وصف العلو بالكبر إشارة إلى وجود التغاير المطلق بين ذاته وصفاته تعالى ، وبين نسبة الصاحبة والولد والشركاء والأضداد والأنداد إليه ، لوجود المنافاة بين القديم والمحدث ، وبين الغني والمحتاج ، منافاة لا يتصور الزيادة عليها ، كما قال تعالى :
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ ، وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً
[ مريم 19 / 90 - 91 ] . ثم أبان اللّه تعالى مبلغ عظمته فقال :
تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ . . .
أي تقدسه وتنزهه السماوات السبع والأرض ومن فيهن من المخلوقات عما يقول هؤلاء المشركون ، وتشهد له بالوحدانية في ربوبيته وألوهيته ، وما من شيء من المخلوقات ( الحيوانات والجمادات والنباتات ) إلا يسبح بحمد اللّه تعالى ، أي يشهد ويدل بخلقه من غيره على وجوب وجود اللّه تعالى الخالق لكل الأكوان ، فالتسبيح من الناس هو قولهم : سبحان اللّه ، وهذا حقيقة ، ومن الجمادات وغيرها : معناه الدلالة على تنزيه اللّه تعالى ، وهذا مجاز . وقال بعضهم : إنه حقيقة أيضا .
وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
أي ولكن لا تفهمون أيها البشر تسبيحهم ، لأنه بخلاف لغاتكم ، كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال : كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل . وقال قتادة : كل شيء فيه روح يسبح ، من شجر أو غيره .
إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً
إنه تعالى كان وما يزال حليما لا يعاجل بالعقوبة من عصاه ، وإنما يمهل ويؤجل ، ويغفر لمن تاب منكم .
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 84 | وهبة الزحيلي