المهاجرين ، أي لو كانوا يعلمون ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم . أو لو علم المتخلفون عن الهجرة معهم ما ادّخر اللّه لمن أطاعه واتّبع رسوله .
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا أعطى رجلا من المهاجرين عطاء قال : خذ بارك اللّه لك فيه ، هذا ما وعدك ربّك في الدّنيا ، وما ذخر لك في الآخرة أكثر .
ثم وصفهم اللّه بقوله :
الَّذِينَ صَبَرُوا . .
أي هم الذين صبروا أو أعني الذين صبروا على الأذى من قومهم والعذاب ، وعلى مفارقة الوطن المحبوب ، وهو حرم اللّه ، وعلى المجاهدة وبذل الأرواح في سبيل اللّه ، وعناء السفر ومتاعب الغربة ، وتوكّلوا على ربّهم ، أي فوّضوا أمورهم إليه ، فأحسن عاقبتهم في الدّنيا والآخرة .
قال ابن كثير : ويحتمل أن يكون سبب نزول الآية في مهاجرة الحبشة الذين اشتدّ أذى قومهم لهم بمكة ، حتى خرجوا من بين أظهرهم إلى بلاد الحبشة ، ليتمكّنوا من عبادة ربّهم . ومن أشرافهم عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وجعفر بن أبي طالب ابن عمّ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأبو سلمة بن عبد الأسود ، في جماعة قريب من ثمانين ، ما بين رجل وامرأة ، صدّيق وصدّيقة رضي اللّه عنهم وأرضاهم ، وقد فعل فوعدهم تعالى بالمجازاة الحسنة في الدّنيا والآخرة « 1 » ، وهذا هو الصحيح في سبب نزول هذه الآية ، كما ذكر ابن عطية .
ثم أجاب اللّه تعالى عن الشّبهة الخامسة لمنكري النّبوة المذكورة في هذه السورة وهي بشريّة الرّسل ، فقال تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ . .
أي وما أرسلنا للناس رسولا من أهل السماء أي ملائكة ، وإنما أرسلنا رجالا من أهل الأرض نوحي إليهم أوامرنا ونواهينا ، فلم نرسل إلى قومك يا محمد إلا كما أرسلنا إلى
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير : 2 / 570