تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
فلما تبين لإبراهيم أن أباه عدو للّه ، بأن مات على الكفر ، أو أوحي إليه فيه بأنه لن يؤمن ، تبرأ منه ، وقطع استغفاره له ، إن إبراهيم لأوّاه أي لكثير التأوه والتحسر ، أو لكثير التضرع والدعاء ، كما قال صلى اللّه عليه وسلّم : « الأواه : الخاشع المتضرع » وهو كناية عن فرط رحمته ، ورقة قلبه ، حليم : صبور على الأذى . والجملة لبيان ما حمله على الاستغفار له ، مع معاداته له وسوء خلقه معه ، بدليل أنه أي آزر قال لإبراهيم :
أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ ، لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ، وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا
[ مريم 19 / 46 ] . ثم رفع اللّه تعالى المؤاخذة عن الذين استغفروا للمشركين قبل نزول آية المنع هذه ، وبيّن أنه تعالى لا يؤاخذهم بعمل إلا بعد أن يبين لهم أنه يجب عليهم أن يتقوه ويحترزوا عنه ، فقال :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ . . .
أي وما كان من سنة اللّه في خلقه ولا في رحمته وحكمته أن يصف قوما بالضلال أو يؤاخذهم مؤاخذة الضالين ، بعد إذ هداهم للإسلام حتى يبين لهم ما يجب عليهم اتقاؤه من الأقوال والأفعال . وهذا يدل على أنه تعالى لا يعاقب إلا بعد التبيين ، وإزالة العذر . إن اللّه تعالى عليم بكل شيء ، وبأحوال الناس وحاجتهم إلى البيان ، وكأن هذا بيان عذر للرسول في قوله لعمه أو لمن استغفر له قبل المنع . وفي هذا دلالة على أن الغافل الذي لم تبلغه رسالة نبي غير مكلف . وبناء عليه ، يستبعد أن يكون سبب نزول الآية الاستغفار لأم الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ؛ لأنها ماتت قبل البعثة في عهد الفترة الجاهلية ، التي انقطعت فيها النبوة بعد عيسى عليه السّلام ، ولم يعد هناك مجال للتعرف على الدين الحق ، لاختلاط الأمور . وبعد أن أمر اللّه تعالى بالبراءة من الكفار ، بين أن النصر لا يكون إلا من عنده ؛ لأن له ملك السماوات والأرض ، فإذا كان هو الناصر لكم ، فهم لا يقدرون على إضراركم ، فقال :
إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ . . .
أي إنه تعالى مالك كل موجود
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 61 | وهبة الزحيلي