تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
ومعنى الآية : قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين كفار مكة : أخبروني عما أنزل اللّه من رزق حلال لكم للانتفاع به ، فجز أتموه أو بعضتموه ، وقلتم : هذا حلال وهذا حرام بزعمكم ، أخبروني : آللّه أذن لكم في التحليل والتحريم ، فأنتم تفعلون ذلك بإذنه ، أم تكذبون على اللّه ، في نسبة ذلك إليه . والآية توبيخ على التبعيض ، وزجر بليغ على التهاون في الفتوى ، وباعثة على وجوب الاحتياط فيما يسأل عنه العالم من الأحكام ، وألا يقول أحد في شيء : جائز أو غير جائز ، إلا بعد إيقان وإتقان ، ومن لم يوقن فليتق اللّه وليصمت . وإلا فهو مفتر على اللّه « 1 » ، كما قال تعالى :
وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ : هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ ، لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
[ النحل 16 / 116 ] .
وَما ظَنُّ الَّذِينَ . . .
المعنى : أي شيء ظن المفترين في ذلك اليوم ما يصنع بهم فيه ؟ وهو يوم الجزاء ، والإحسان والإساءة ، أيظنون أنهم يتركون بغير عقاب على جريمة افتراء الكذب على اللّه أو أيحسبون أن اللّه لا يؤاخذهم به ؟ وهو وعيد عظيم حيث أبهم أمره ، أم أن لهم شفعاء يشفعون لهم ؟ كما قال تعالى :
أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ
[ الشورى 42 / 21 ] .
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ
حيث أنعم عليهم بالعقل ، ورحمهم بالوحي ، وتعليم الحلال والحرام ، وتشريع الدين ، وفضّل عليهم بالرزق وجعل الأصل فيما رزقهم من المنافع الإباحة ، ولكنه جعل حق التحليل والتحريم إليه وحده ، كيلا يعبث به ، كما عبث به الأخبار والرهبان ، ولم يحرّم عليهم إلا ما فيه ضرر بهم في دنياهم أو دينهم .
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ
هذه النعمة وذلك الفضل كما قال تعالى :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
[ سبأ 34 / 13 ] ولا يتبعون ما هدوا إليه ، بل
هامش
( 1 ) الكشاف : 2 / 78
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 204 | وهبة الزحيلي