تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
فيه ، لإظهار عزة الإسلام والمسلمين . وإرهاب الدولة أعداءها ، واشتداد أمرها ، فلا يتجرأ على النيل منها أحد ، ولا يقدم على إضعافها والتجسس عليها أحد من الأسرى الذين تركوا يعودون لديارهم بفداء مالي . فالذين يرون قبول الفداء إنما يريدون الحصول على عرض الدنيا « 1 » أي حطام الدنيا الفاني ، واللّه يريد لكم ثواب الآخرة الدائم وما هو سبب الجنة بما يشرعه لكم من الأحكام المؤدية إليه ، ومنها الإثخان في القتل في الأرض ، وإعزاز الدين ، والقضاء على الأعداء ، لإعلاء كلمة الحق ، وإقامة العدل ، وإقرار النظام الأصلح للبشرية . واللّه عزيز يغلّب أولياءه على أعدائه ، ويمكنهم منهم قتلا وأسرا ، حكيم في أفعاله وأوامره ، يشرع لكل حال ما يليق به ، ويخصه به ، كالأمر بالإثخان ومنع أخذ الفداء حين كانت الشوكة والقوة للمشركين ، وبذلك تتحقق عزة المؤمنين كما قال تعالى :
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
[ المنافقون 63 / 8 ] . لولا كتاب من اللّه سبق أي لولا حكم من اللّه سبق إثباته في اللوح المحفوظ « 2 » : وهو أنه لا يعاقب المخطئ في اجتهاده ؛ لأن أصحاب هذا الرأي نظروا ورأوا أن استبقاءهم ربما كان سببا في إسلامهم وتوبتهم ، وأن فداءهم يتقوّى به على الجهاد في سبيل اللّه ، وخفي عليهم أن قتلهم أعز للإسلام ، وأهيب لمن وراءهم ، وأضعف لشوكتهم . وقيل : إن الحكم الذي سبق هو ألا يعذب أهل بدر فهم مغفور لهم ، أو ألا يعذب قوما إلا بعد تأكيد الحجة والبيان ، والتصريح المتقدم بالنهي عن الفداء ، ولم يكن قد تقدم نهي عن ذلك ، أو أنهم استعجلوا في استباحة الغنائم ، ولم تكن قد أحلت لهم ، واللّه تعالى سيحلها لهم .
هامش
( 1 ) إنما سميت منافع الدنيا ومتاعها عرضا ؛ لأنه لا ثبات له ولا دوام ، فكأنه يعرض ثم يزول . ( 2 ) سيأتي جواب : لولا في مطلع الصفحة الآتية .
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 72 | وهبة الزحيلي