تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
موقفين : موقف الشيطان كيف تخلص من المشركين وقت اشتداد المحنة ، وموقف المنافقين الذين سخروا من المؤمنين لتهورهم ، قائلين : غرّ هؤلاء دينهم .

التفسير والبيان :

اذكر أيها الرسول حين زين الشيطان للمشركين أعمالهم بوسوسته ، وأوهمهم أنهم لا يغلبون أبدا لكثرة عَددهم وعُددهم ، وأن اتباع خطوات الشيطان وطاعته مما يجيرهم ، وأزال مخاوفهم من إتيان عدوهم بني بكر في ديارهم ، وقال :
إِنِّي جارٌ لَكُمْ
أي مجير لكم من بني كنانة ، وذلك أنه تبدي لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم سيد بني مدلج كبير تلك الناحية . والجار : المدافع عن صاحبه ، والذائد عنه أنواع الضرر ، كما يدفع الجار عن جاره . وكل ذلك من الشيطان كما قال تعالى عنه :
يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً
[ النساء 4 / 120 ] . فلما تلاقى الفريقان المتقاتلان نكص الشيطان على عقبيه ، أي تراجع مدبرا ، وولّى هاربا ، وتبرأ منهم ، أي بطل كيده حين نزلت جنود اللّه ، وأيس من حالهم لما رأى إمداد الملائكة للمسلمين ، وأظهر أنه يخاف اللّه ، واللّه شديد العقاب في الدنيا والآخرة . وكان خوفه من الملائكة حتى لا تحرق جنوده . وهكذا كان جند الشيطان في مبدأ الأمر مع المشركين يوسوسون لهم ويضللونهم ، وكان الملائكة جند الرحمن مع المؤمنين يثبّتون قلوبهم ويؤيدونهم ويعدونهم بنصر اللّه تعالى . وقوله :
وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ
يجوز أن يكون من كلام إبليس ويجوز أن ينقطع كلامه عند قوله :
أَخافُ اللَّهَ
ثم قال تعالى ذاك . أما السبب في تغيير صورة إبليس إلى صورة سراقة ، فلإظهار المعجزة العظيمة للرسول عليه الصلاة والسّلام ؛ لأن كفار قريش ، لما رجعوا إلى مكة ، قالوا : هزم الناس سراقة ، فبلغ ذلك سراقة ، فقال : واللّه ما شعرت بمسيركم ، حتى بلغتني