تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
وأما البطر ( الفخر والاستعلاء والتكبر ) والمراءاة فهما مرض خطير ينخر في تكوين شخصية الإنسان ، ويعجل في تدمير كيان صاحبه . وأما الصد عن سبيل اللّه ، أي إضلال الناس فهو أشد إثما من الكفر ؛ لأن كفر الكافر مقصور على نفسه ، والصد يتجاوز الإنسان إلى غيره ، وقد تكرر ذم الصد عن سبيل اللّه في مواضع كثيرة من القرآن الكريم ، وكان الصدّ ملازما لكفر أهل مكة ، كما قال تعالى :
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ
[ محمّد 47 / 1 ] . ولما كان أبو جهل وعصبته مجبولين على البطر والمفاخرة والعجب ، وكان صدهم عن سبيل اللّه حاصلا في زمان نبوة محمد عليه الصلاة والسّلام ، ذكر البطر والرئاء بصيغة الاسم ، وذكر الصد عن سبيل اللّه بصيغة الفعل . والخلاصة : أمر اللّه المؤمنين عند لقاء العدو بالثبات والاشتغال بذكر اللّه ، ومنعهم أن يكون الباعث لهم على الثبات هو البطر والرئاء ، وإنما الواجب أن يكون الباعث عليه هو طلب عبودية اللّه تعالى . وشأن المؤمن إرضاء الرحمن وإظهار العبودية الخالصة للّه ، وهو هدف القرآن ، والمعصية مع الحياء والتذلل والانكسار أقرب إلى الإخلاص من الطاعة مع الافتخار . وضمانا للإخلاص في طلب مرضاة اللّه ختمت الآية بقوله :
وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
لأن الإنسان ربما أظهر الإخلاص ، والحقيقة بخلافه ، فيكون اللّه أعلم بما في القلوب . وهذا كالتهديد والزجر عن الرياء والتصنع . وقد احتج نفاة القياس على عدم مشروعيته بآية
وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا . . .
لأن القياس يؤدي إلى الاختلاف في الأحكام بسبب اختلاف الأقيسة ، ويردّ عليهم بأنه ليس كل قياس بوجب المنازعة ، والآية في أمور السياسة العامة
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 29 | وهبة الزحيلي