تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
وبعد أن جاوز بنو إسرائيل البحر ، وقد رأوا من آيات الله وعظيم سلطانه ما رأوا ، وشاهدوا أنه تعالى أهلك فرعون وجنوده ، وخصهم بالنجاة والسلامة ، كانوا في غاية الجهالة والضلالة وجحود النعمة ، إذ طلبوا من موسى اتخاذ إله من الأصنام ، تأثرا بما رأوه من بعض العرب أو من غيرهم يعبدون الأصنام ويعظمونها ويلازمونها ويقبلون عليها ، وتشبها بالمصريين الذين كانوا يعبدون التماثيل . وكأنهم لم يدركوا معنى التوحيد الذي دعاهم إليه موسى عليه السّلام . أما القوم الذين رأوهم فهم من الكنعانيين ( وهم الذين أمر موسى عليه السّلام بقتالهم ) وقيل : كانوا من لخم . قال الطبري : وكانوا يعبدون أصناما على صور البقر ، فلهذا أثار ذلك شبهة لهم في عبادتهم العجل بعدئذ . فقالوا :
يا مُوسَى ، اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
، أي اجعل لنا صنما نعكف عليه ونلازمه ،
كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
أصنام يعكفون عليها ، والمراد أنهم طلبوا منه أن يعين لهم أصناما . وهذا يدل على تأثرهم بالبيئة المصرية وحنينهم لها ، وعلى نزعتهم المادية بتجسيد الإله في صورة معدن أو حجر . فأجابهم موسى تعجبا من قولهم على أثر ما رأوا من الآية العظمى والمعجزة الكبرى ، فوصفهم بالجهل المطلق وأكده ؛ لأنه لا جهل أعظم مما رأى منهم ولا أشنع ، فإنهم جهلوا مقام التوحيد ، وما يجب من إفراد اللّه بالعبادة بلا واسطة من إنسان أو مادة ، جهلوا عظمة اللّه وجلاله وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل . واتخاذ الواسطة إلى اللّه بهذه الأصنام كفر ؛ فقد أجمع كل الأنبياء عليهم السلام على أن عبادة غير اللّه تعالى كفر ، سواء اعتقد في ذلك الغير كونه إلها للعالم ، أو اعتقدوا أن عبادته تقربهم إلى اللّه تعالى ؛ لأن العبادة نهاية التعظيم ،
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 76 | وهبة الزحيلي