تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
وبعد أن أجمل الوعيد السابق بقوله :
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
فصله بقوله :
لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ
يعني قسما لأقطعنّ الأيدي والأرجل من خلاف ، ثم لأصلبنّ كل واحد على جذوع الشّجر ، كما قال :
فِي جُذُوعِ النَّخْلِ
[ طه 20 / 71 ] أي على الجذوع ، لتكونوا عبرة لمن يكيد لنا ويخرج عن سلطاننا ، قال ابن عباس : وكان أوّل من صلب ، وأوّل من قطّع الأيدي والأرجل من خلاف : فرعون . فأجابه السّحرة على تهديده ووعيده : إنّنا لا نأبه بالقتل ولا نبالي بالموت ؛ لأننا قد تحقّقنا أنا إلى الله راجعون ، ففي الآخرة يوم الجزاء ، فيثيبنا على شدائد القطع والصّلب ، ونريد أن نفدي أنفسنا من عذاب الله ، فعذابه أشدّ من عذابك ، ونكاله على ما تدعونا إليه اليوم ، وما أكرهتنا من السّحر ، أعظم من نكالك ، فلنصبرنّ اليوم على عذابك ، لنخلص من عذاب الله ، كما قال تعالى :
قالُوا : لا ضَيْرَ ، إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ . إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ
[ الشعراء 26 / 50 - 51 ] . ويحتمل - كما ذكر الزّمخشري - أن يكون المعنى : إنّا جميعا نحن وأنت يا فرعون ، سننقلب إلى اللّه ، فيحكم بيننا . وفي هذا إيماء إلى تكذيبه في ادّعاء الرّبوبيّة ، وإيثار ما عند اللّه على ما عنده من شهوات الدّنيا الفانية . وما تعيب منّا إلا الإيمان بآيات اللّه ، الذي هو خير الأعمال ، وأصل المناقب والمفاخر كلها . وفي هذا إعلان لقرار لا رجعة فيه ، وكأنّهم يقولون : لا أمل لك في رجوعنا عن إيماننا . ربنا هب لنا صبرا واسعا ، وعمّنا بالصبر على دينك والثّبات عليه ، واغمرنا به حتى يفيض علينا كما يغمر الماء الأشياء . والظاهر أنّ فرعون نفّذ تهديده ووعيده فعلا ، بدليل قوله تعالى في بداية