بالعقوبة ، وإنما يؤخّر عقوبتهم ، لإعطائهم فرصة للعودة إلى الحقّ ، والاستجابة لدعوة الإيمان ، وتصديق النّبي المصطفى عليه الصّلاة والسّلام . وفي فترة إمهالهم أنذرهم أنهم إن داموا على المعصية والكفر ، فإن كيد اللّه ، أي تدبيره شديد قوي محكم .
قيل : نزلت في المستهزئين من قريش ، قتلهم اللّه في ليلة واحدة ، بعد أن أمهلهم مدة ، كما قال تعالى :
حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
[ الأنعام 6 / 44 ] .
وتضمّنت آية
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا
دعوة المكذّبين إلى إصدار الأحكام بالاعتماد على العقل والتّفكير والموازنة والنّظر إلى واقع النّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وسيرته ، فهو ليس كما تقوّلت ألسنتهم بمجنون ، وإنما هو داعية حقّ ، ونذير خير ، وناصح أمة ، ومرشد قوم إلى ما فيه صلاحهم ونجاتهم .
ثم دعاهم اللّه تعالى إلى إعمال فكرهم وتسديد نظرهم في ملكوت السماوات والأرض ، وفي المخلوقات والأشياء العديدة ، وفي آجالهم التي عسى أن تكون قد قربت ، للتّوصّل إلى معرفة الإله الحقّ ، والإيمان بوجود الصانع الحكيم القدير القديم ، الذي لا ندّ له ولا شريك ولا نظير ، ومعرفة كمال قدرته . وإذا لم يؤمنوا بالقرآن ، فبأي قرآن غير ما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم يصدّقون ؟ ! وفي هذا دلالة على أن القرآن هو مصدر الهداية .
وقد استدلّ العلماء بآية
أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
وأمثالها الكثيرة في القرآن الكريم « 1 » ، على وجوب النظر في آيات الله ، والاعتبار بمخلوقاته . وقد ذمّ اللّه تعالى من لم ينظر ، وسلبهم الانتفاع بحواسهم ، فقال :
لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها . . .
الآية [ الأعراف 7 / 179 ] ، قال الجصاص : في
هامش
( 1 ) نحو قوله تعالى :قُلِ : انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وقوله :أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها، وقوله :أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وقوله :وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ.