تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
فالظالم إذا لم يعاقب فورا ، عليه ألا ينخدع بذلك ، فقد يكون تركه طعما للتّعرّف على المزيد من بغيه وجوره ، كما تفعل أجهزة الأمن اليوم في كثير من حالات مراقبة تحرّكات المشبوهين ، ثم يقع ذلك الظالم في قبضة الحكام لعقابه الدّنيا ، أو تنزل به المصائب والدّواهي ، ثم يعاقبه اللّه بالعذاب الشديد الآخرة . والاستدراج : هو الإدناء قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم . وبعد أن هدّد اللّه المعرضين عن آياته ، عاد إلى الجواب عن شبهاتهم ، فقال :
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا . . .
أي أولم يتفكّر هؤلاء المكذّبون بآياتنا ما بصاحبهم يعني محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلم من جنون ، فقد كانوا يقولون : شاعر مجنون ، مع أنهم يعرفون حاله من بدء نشأته ، ويعلمون حقيقة دعوته ، ودلائل رسالته ، فهو رسول اللّه حقّا ، دعا إلى حقّ . والتّعبير :
بِصاحِبِهِمْ
للتّذكير بأنهم يعرفون سيرته معرفة كاملة في سنّ الصّبا وعهد الشّباب والكهولة وبعد النّبوة . إنهم إن تفكّروا في شأنه ، وتجرّدوا عن عصبيّتهم وأهوائهم ، عرفوا الحقّ ، وأدركوا صدقه ، وأنه ليس مجنونا ولا شاعرا ، كما حكى القرآن افتراءهم :
وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ
[ التكوير 81 / 22 ] ،
قُلْ : إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ، إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ ، بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ
[ سبأ 34 / 46 ] ،
أَمْ يَقُولُونَ : بِهِ جِنَّةٌ ، بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ ، وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
[ المؤمنون 23 / 70 ] ،
وَقالُوا : يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ : إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
[ الحجر 15 / 6 ] ،
وَيَقُولُونَ : أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ
[ الصّافات 37 / 36 ] . إنه ليس بمجنون ، بل هو منذر ناصح ، ومبلّغ أمين ، فهو ينذركم ما يحلّ بكم من عذاب الدّنيا والآخرة إذا لم تؤمنوا بدعوته . وبعد أن حكى اللّه عن هؤلاء المكذّبين موقفهم ، فذكر : أكذّبوا الرّسول ، ولم