تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
وقد اختلف العلماء في هذه الآية آية
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ . . .
على رأيين : رأي السلف ، ورأي الخلف . أما السلف من المفسرين فقالوا : إن الله خلق آدم وأخرج من ظهره ذريته كالذر ، وأحياهم وجعل لهم عقلا وإدراكا ، وألهمهم ذلك الحديث وتلك الإجابة ، وأخذ عليهم العهد بأنه ربهم ، فأقروا بذلك ، وقد روي هذا المعنى عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم من طرق كثيرة لا يخلو بعضها من ضعف وانقطاع ، وقال به جماعة من الصحابة « 1 » . وأما الخلف فقالوا : هذا من قبيل التمثيل والتصوير ، والمجاز والاستعارة فلا سؤال ولا جواب ، وإنما أقام اللّه الأدلة الكونية على وحدانيته وربوبيته للكون كله ، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم ، وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى ، فكأنه قال للخلق : أقروا بأني ربكم ، ولا إله غيري ، وكأنه أشهدهم على أنفسهم ، وقال لهم : ألست بربكم ؟ فقالوا : بلى « 2 » . وهذا ما اختاره الزمخشري وأبو حيان وأبو السعود والبيضاوي . وقال عنه الرازي : لا طعن فيه البتة . وحدد ابن كثير دلالة الأحاديث ، فقال : هذه الأحاديث دالة على أن اللّه عز وجل استخرج ذرية آدم من صلبه ، وميّز بين أهل الجنة وأهل النار ، وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربهم ، فما هو إلا في حديث ابن عباس ، وفي حديث عبد اللّه بن عمرو ، وهما موقوفان لا مرفوعان ، ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف : إن المراد بهذا الإشهاد ، إنما هو فطرهم على التوحيد ، كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار المجاشعي ، وقد فسر الحسن الآية بذلك . قالوا : ولهذا قال :
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ
ولم يقل : من آدم ،
هامش
( 1 ) تفسير الرازي : 15 / 46 ، تفسير ابن كثير : 2 / 261 - 264 . ( 2 ) روي عن ابن عباس أنه قال : « لو قالوا : نعم ، لكفروا » لأن « نعم » تصديق للمخبر بنفي أو إيجاب ، فكأنهم أقروا أنه ليس ربهم ، بخلاف « بلى » فإنها حرف جواب ، وتختص بالنفي وتفيد إبطاله ، والمعنى : بلى أنت ربنا ، ولو قالوا : نعم ، لصار المعنى : نعم لست ربنا .