تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
وهذا يفيد أن من عمل السيئات فلا بد وأن يتوب عنها أولا ، وذلك بأن يتركها ويرجع عنها ، ثم يؤمن بعد ذلك ، يؤمن باللّه تعالى ، ويصدق بأنه لا إله غيره . وهذه الآية تدل على أن جميع السيئات قابلة للغفران بالتوبة ، وهذه بشارة عظمي للمذنبين .

فقه الحياة أو الأحكام :

تضمنت الآيتان مبدأين مهمين : مبدأ العدل في العقاب ، ومبدأ الرحمة بالعصاة التائبين . أما المبدأ الأول - وهو عدالة العقاب فهو ما قامت عليه شريعة اللّه ، فمن أشرك باللّه إلها آخر ، كما فعل بنو إسرائيل في غيبة موسى عليه السّلام ، فهو ظالم لنفسه ، يستحق غضب الإله عليه ، ومصاحبة الذلة والهوان له في الحياة الدنيا . ومن ابتدع شيئا ليس في دين الله فهو مفتر يناله من الجزاء مثل جزاء الظالمين الكافرين ؛ لقوله تعالى :
وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ
أي المبتدعين ، قال الإمام مالك رحمه اللّه : ما من مبتدع إلا وتجد فوق رأسه ذلّة . وينطبق ذلك على الناس كلهم في الماضي والحاضر والمستقبل ، فهو يشمل فعلة بني إسرائيل في عهد موسى عليه السّلام ، وكل من رضي بفعلهم كاليهود في زمن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وفي كل زمن على ممر الأجيال . وأما المبدأ الثاني - مبدأ الرحمة بالعصاة التائبين فهو فضل عظيم من اللّه تعالى على هذه الأمة المسلمة وعلى الأمم كلها ، ففي الآية خبر قاطع وقرار حاسم وحكم دائم وهو أن اللّه يقبل توبة التائب من الشرك وغيره من المعاصي ؛ لأن قوله تعالى :
وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ
يشمل الكفر وسائر المعاصي . ورحمة اللّه سبقت غضبه ، ورحمته وسعت كل شيء ، فمن آمن باللّه ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا ، وبالقرآن دستورا ، وتاب من كفره أو معصيته ، وعمل صالحا فإن الله من بعد توبته غفور له رحيم به .