تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
ومن تمام فضل اللّه ونعمته ورحمته أنه أنشأ لكم أيها الناس من الأنعام ( وهي الإبل والبقر والغنم ) كبارا صالحة للحمل ، وصغارا كالفصلان ، والغنم والمعز ، هي كالفرش المفروش عليها ، تفرش على الأرض للذّبح ، ويتّخذ من شعرها ووبرها الفرش واللباس . وهذا مثل قوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ . وَذَلَّلْناها لَهُمْ ، فَمِنْها رَكُوبُهُمْ ، وَمِنْها يَأْكُلُونَ
[ يس 36 / 71 - 72 ] ، وقوله :
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً ، نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ
[ النحل 16 / 66 ] . ثم كرر اللّه تعالى إباحة الأكل من الأنعام كإباحته من الزّرع ، فقال :
كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ
أي كلوا من هذه الأنعام ، كما تأكلون من الثمار والزّروع ، فكلها خلقها اللّه ، وجعلها رزقا لكم ، وانتفعوا بها بسائر أنواع الانتفاع المباحة شرعا . ولا تتبعوا خطوات الشّيطان ، أي طريقه وأوامره ، كما اتّبعها المشركون الذين حرّموا ما رزقهم اللّه من الثّمار والزّروع والأنعام ، افتراء على اللّه ، وإيّاكم أن تحرّموا ما لم يحرّمه اللّه عليكم ، فذلك إغواء من الشّيطان ، واللّه قد أباحها لكم ، واللّه مصدر التّشريع والتّحريم والتّحليل ؛ لأنه هو الخالق المبدع لجميع الكائنات ، وهو المتصرّف فيها ، فليس لغيره أن يحرّم أو يحلّل برأيه . إن الشّيطان لكم أيها الناس عدوّ مبين ، أي بيّن ظاهر العداوة ، لا يأمر إلا بالسّوء والفحشاء والمنكر ، كما قال تعالى :
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ ، فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ، إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ ، لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ
[ فاطر 35 / 6 ] ، وقال :
إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ ، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
[ البقرة 2 / 169 ] . والأنعام التي هي حمولة وفرش ثمانية أصناف ، فإنّ الحمولة : إما إبل وإما بقر ، والفرش : إما ضأن وإما معز ، وكلّ قسم من هذه الأربعة : إما ذكر وإما
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 71 | وهبة الزحيلي