تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
ومن أمثلة الأسئلة عما كانوا بحاجة إليه : أنه تعالى بيّن عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها والحامل ، ولم يذكر عدة المرأة التي لا حيض لها ولا حامل ، فسألوا عنها فنزل :
وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ
[ الطلاق 65 / 4 ] فالنهي إذن في شيء لم يكن بهم حاجة إلى السؤال فيه ، فأما ما مسّت الحاجة إليه فلا . وبهذا يوفق بين أول الآية :
لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ . .
وبين الجملة التالية :
وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ
فأول الآية نهي عن السؤال ، والجملة التالية تبيح السؤال ، والمعنى : وإن تسألوا عن غيرها فيما مسّت الحاجة إليه . فحذف المضاف ، ولا يصحّ حمله على غير الحذف . قال الجرجاني : الكناية في
عَنْها
ترجع إلى أشياء أخر ؛ كقوله تعالى :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ
[ المؤمنون 23 / 12 ] يعني آدم ، ثم قال :
ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً
[ المؤمنون 23 / 13 ] أي ابن آدم ؛ لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين ، لكن لما ذكر الإنسان وهو آدم ، دل على إنسان مثله ، وعرف ذلك بقرينة الحال . والمعنى : وإن تسألوا عن أشياء مما أنزل القرآن من تحليل أو تحريم أو حكم ، أو مسّت حاجتكم إلى التفسير ، فإذا سألتم فحينئذ تبد لكم « 1 » . وقد عفا اللّه عن الأسئلة التي سلفت منهم قبل هذا النهي ، فضلا من اللّه ورحمة ، وإن كرهها النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلا تعودوا لأمثالها . وتغلب المقارنة والتذكير والعبرة في آي القرآن وسرد أحكامه كما فعل هنا بقوله :
قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ . .
أخبر تعالى أن قوما من قبلنا قد سألوا آيات مثلها ، فلما أعطوها وفرضت عليهم كفروا بها ، وقالوا : ليست من عند اللّه ، وذلك كسؤال قوم صالح الناقة ، وقوم موسى رؤية اللّه جهرة ، وأصحاب عيسى المائدة . وهذا تحذير مما وقع فيه من سبق من الأمم .
هامش
( 1 ) المرجع والمكان السابق .
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 84 | وهبة الزحيلي