تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
الآمال ، ويبقى المنافقون في قلق واضطراب ، إذ إن فرحهم الظاهري بنزول آية ، وسيرهم مع المسلمين ، يسقطه الامتحان عندما يطالبون بالجهاد مع المؤمنين ، وإن التلون بالدعم حين الخير ، والنقمة والكفر حين الشر ، مثل المنافق غير المؤمن .

فقه الحياة أو الأحكام :

هذه صفة المنافقين كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا ثم كفروا فذهب اللّه بنورهم . فما يظهره المنافقون من الإيمان الذي تثبت به أحكام المسلمين في الزواج والميراث والغنائم والأمن على أنفسهم وأولادهم وأموالهم ، واغترارهم لما آمنوا بكلمة الإسلام ، لا فائدة له في أحكام الآخرة ، لأنهم يصيرون إلى العذاب الأليم ، كما أخبر التنزيل :
إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ
[ النساء 4 / 145 ] فمثل استضاءتهم بضوء إقرارهم بالإسلام مع إسرار الكفر كإضاءة النار الموقوتة أو كمثل مطر مظلم . والمنافقون عطلوا بحق وسائل المعرفة الصحيحة والإيمان الراسخ ، فهم صمّ عن استماع الحق ، بكم عن التكلم به ، عمي عن الإبصار له ، وأشد من ذلك أنهم لا يرجعون في النهاية إلى الحق لسابق علم اللّه تعالى فيهم ، لا بقهر وإجبار . ومع نفاقهم فلم يعجل اللّه عقابهم في الدنيا ، وقد استنبط الجصاص من ذلك : أن عقوبات الدنيا ليست موضوعة على مقادير الاجرام ، وإنما هي على ما يعلم اللّه من المصالح فيها ، وعلى هذا أجرى اللّه تعالى أحكامه « 1 » . والقرآن ممتلئ بالخير والآيات الدالة على كونه من عند اللّه كالصيّب ، وما فيه من الوعيد والزجر كالرعد ، وما فيه من النور والحجج الباهرة التي تكاد أحيانا تبهر المنافقين كالبرق ، وما فيه من الدعوة إلى القتال في العاجل والوعيد في الآجل كالصواعق .
هامش
( 1 ) أحكام القرآن : 1 / 26 - 27
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 93 | وهبة الزحيلي