تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
وأهله وحمل الأتباع على الاستقامة ، ومنع الجور ، فإذا كان الإمام ظالما لنفسه بالانحراف ، فكيف يقوّم غيره ؟ والمراد بالعهد : النبوة أو الإمامة . وفيه دليل على مقت الظلم ، والتنفير من الظالمين ، والبعد عنهم . ثم ذكرّ اللّه تعالى العرب في هذه الآيات بنعم كثيرة ، منها : جعل البيت الحرام ( الكعبة ) مرجعا للناس يقصدونه ، ومآبا يثوبون إليه للعبادة وقت الحج وغيره ، وفي ذلك تنشيط لحركة التجارة والاقتصاد وجلب الخير ، ومنها جعله مأمنا يطمئن إليه الأفراد من المخاوف ، فمن دخله كان آمنا ، ويتخطف الناس من حوله ، كما قال سبحانه :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً ، وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ، أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ ، وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ؟
[ العنكبوت 29 / 67 ] . ثم أمر اللّه المسلمين أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى ، بأن يفضلوه على غيره في الصلاة ، لشرفه بقيام إبراهيم فيه ، فالأمر فيه للندب ، لا للوجوب ، والمسلمون مأمورون بذلك كما أمر به المؤمنون المعاصرون لإبراهيم الخليل عليه السّلام . وهذا البيت طاهر مطهر ، وصينا إبراهيم وإسماعيل بتطهيره من الأوثان وعبادة الأصنام التي كان عليها المشركون قبل أن يصير في يد إبراهيم عليه السّلام ، وتطهيره من كل رجس حسي أو دنس معنوي كاللغو والرفث والتنازع فيه ، حين أداء المناسك والعبادات كالطواف والسعي بين الصفا والمروة ، والإقامة فيه ، والركوع والسجود ، وقد روي عن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أنه لما فتح مكة ، دخل المسجد ، فوجدهم قد نصبوا على البيت الأوثان ، فأمر بكسرها ، وجعل يطعن فيها بعود في يده ، ويقول :
جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ ، إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً
[ الإسراء 17 / 81 ] . وفيه أن إبراهيم ومن بعده كانوا مأمورين بهذه العبادات ، وإن لم تعرف