تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧

فقه الحياة أو الأحكام :

يستحق كل مقصر في واجبه العقاب واللوم ، فقد كان التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر ، لا بسبب الأمر بالبر ، وكان ذم اليهود لأنهم كانوا يأمرون بأعمال البر والطاعة ولا يعملون بها ، ويزداد التقريع للعالم الذي لا يعمل بما علم ، فليس من يعلم كمن لا يعلم ، ولا يتقبل العقل السليم هذه الحال من أحد . وإطاعة الأوامر الإلهية وعدم مخالفتها تتطلب الصبر ، ومن صبر عن المعاصي فقد صبر على الطاعة ، ومن أخص حالات الصبر : الصلاة ، فالصلاة فيها سجن النفوس ، وجوارح الإنسان فيها مقيدة بها عن جميع الشهوات ، فكانت الصلاة أصعب على النفس ، وكانت مكابدتها أشق . وتهون المصاعب كلها أمام الخاشعين المتواضعين المخبتين إلى اللّه ، الموقنين بلقاء اللّه ، المصدقين بالبعث والجزاء والعرض على الملك الأعلى الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء . وليست أمور الآخرة مقيسة على أمور الدنيا ، كما كان يتوهم اليهود وغيرهم من الأمم الوثنية ، فليس في ميزان الإسلام وعدله طريق لتخليص المجرمين من العذاب بفداء أو بدل يدفع ، أو بشفاعة تشفع ، ولا ينفع في اليوم الآخر إلا مرضاة اللّه تعالى بالعمل الصالح ، والإيمان المستقر في النفوس ، المتجلي في أعمال الإنسان ، والحكم إلى اللّه العدل الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء ، فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها ، كما قال تعالى :
وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ، ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ ، بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ
[ الصافات 37 / 24 - 26 ] . والشفاعة المرفوضة هي شفاعة الكافرين ، فقد أجمع المفسرون على أن المراد بقوله تعالى :
وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً ، وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ
: النفس الكافرة ، لا كل نفس . أما المؤمنون فتنفعهم الشفاعة بإذن اللّه ، لقوله تعالى :
وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى
[ الأنبياء 21 / 28 ] والفاسق