تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
الكتابة والشهادة ، فالآن يوجب لهم الحماية والرعاية ، ليتوازن الحقّ والتكليف في أداء الوظائف العامّة :
وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ
لا يقع ضرر على كاتب أو شاهد ، بسبب أدائه لواجبه الّذي فرضه اللّه عليه .
وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ
وإن وقع ، فإنّه يكون خروجا عن شريعة الحقّ ومخالفة لمنهج العدل المستقيم . وهذا احتياط لا بدّ منه ، لأنّ الكتّاب والشهود معرّضون لسخط أحد الفريقين المتعاقدين في أحيان كثيرة ، فلابدّ من تمتّعهم بالضمانات الّتي تطمئنّهم على أنفسهم وتشجّعهم على أداء واجبهم بالذمّة والأمانة والنشاط في أداء الواجبات ، والحيدة في جميع الأحوال . إذن
وَاتَّقُوا اللَّهَ
في رعاية الواجب لحقوق الآخرين ، فلا إرعاب ولا إرهاب ممّا يوجب الخروج عن حدود ما فرض اللّه .
وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ
معالم دينكم ويبيّن لكم الطريقة المثلى
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
لا يغفل عن شيء من مصالحكم وما فيه صلاحكم في الحياة ، واللّه بكلّ شيء محيط ، ولا يعزب عن علمه شيء . وبعد فتيسيرا للتعامل ، مع ضمان الوفاء ، رخّص الشارع في التعاقد الشّفوي بلا كتابة ، مع تسليم رهن مقبوض للدائن ضمانا للدين :
وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ .
وهنا يستجيش الشارع ضمائر المؤمنين للأمانة والوفاء بدافع من تقوى اللّه ،
فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
اعتمده وجعل من إيمانه وثيقة لأماناته ،
فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ
والمدين مؤتمن على الدين ، والدائن مؤتمن على الرهن ، وكلاهما مدعوّ لأداء ما اؤتمن عليه ، لموضع تقوى اللّه ربّه ، الّذي هو حاضره وناظره ، وهو سيّده ومولاه . كما وبدافع من التقوى من اللّه :
وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ :
زائف ضميره وقد عاكس فطرته الذاتيّة الباعثة على الطهارة والنزاهة عن الأدناس ، ويعقّب على ذلك بتهديد ملفوف ، فليس هناك خاف على اللّه :
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
وهو يجزي عليه بمقتضى علمه بالأحوال الكامنة وراء الأعمال . ذلك أنّ اللّه بيده مقاليد السماوات والأرض ، وكلّ ما هو كائن في عالم الوجود :
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
التفسير الأثري الجامع — صفحة 504 | الشيخ محمد هادي معرفة