يذكّره ، وإذا ترك شيئا ، تكون شهادته باطلة ؛ يعني إذا ترك شيئا ممّا يبيّن الحقّ فكانت شهادته وحده غير كافية لبيانه ، فإنّه لا يعتدّ بها ولا بشهادة الآخر وإن بيّنت » « 1 » .
وقالوا في سبب ذلك : إنّ المرأة ليس من شأنها الاهتمام بالأمور الماليّة ونحوها من المعاوضات ولا سيّما الخطيرة منها ، فلذلك تكون ذاكرتها فيها ضعيفة ، ولا تكون كذلك في الأمور المنزليّة الّتي هي شغلها ، فإنّها فيها أقوى ذاكرة من الرجل ، يعني أنّ من طبع البشر - ذكرانا وإناثا - أن تقوى ذاكرتهم للأمور الّتي تهمّهم ويكثر اشتغالهم بها . والأحكام العامّة إنّما تناط بالأكثر في الأمور وبالأصل فيها ، ولا تناط بالشاذّ النادر « 2 » .
* * * وكما وجّه الخطاب في أوّل النصّ إلى الكتّاب أن لا يأبوا الكتابة ، يوجّهه هنا إلى الشهداء أن لا يأبوا الشهادة ، فإنّ في الإباء من الشهادة إضاعة لحقّ .
وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا
فتلبية الدعوة للشهادة إذن فريضة وليست تطوّعا ، فهي وسيلة لإقامة العدل وإحقاق الحقّ .
وهنا ينتهي الكلام عن الشهادة ، ويعرّج إلى ضرورة الكتابة - كبر الدين أو صغر - ويعالج ما قد يخطر للنفس من استثقال الكتابة ، عند حصول الاطمئنان والاعتماد من الطرفين ، لكنّه تعالى يؤكّد على رفض الخجل أو السأم في هكذا مجالات قد لا تحمد عقباها إذا ما أخذ فيها بالإهمال وقلّة المبالاة :
وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا
حيث الكتابة فيها زيادة التوثّق والاطمينان عند بلوغ الأجل .
ذلك شأن الدين المسمّى إلى أجل . أمّا التجارة الحاضرة ، فإنّها تعفى عن قيد الكتابة ، ولا سيّما الصغيرة منها تيسيرا للمعاملات الدارجة يوميّا وتكفي فيها شهادة الشهود إذا كانت خطيرة :
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ
في الخطيرة منها .
وبذلك انتهى الكلام عن تشريع الدين والتجارة ، والتقى كلاهما عند شرطي الكتابة والشهادة ، والآن جاء ليقرّر حقوق الكتّاب والشهداء ، كما قرّر واجباتهم من قبل ، لقد أوجب عليهم أن لا يأبوا
هامش
( 1 ) المصدر .
( 2 ) راجع ما فصّلناه بهذا الشأن في كتابنا « شبهات وردود » : 132 - 136 .