تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
والإيمان باليوم الآخر ، هو الإيمان بالعدالة الإلهية المطلقة في الجزاء وبأنّ الحياة على هذه الأرض ليست سدى ولا فوضى بغير ميزان ، وبأنّ الخير لا يعدم جزاؤه ولو بدا أنّه في هذه الأرض لا يلقى الجزاء . كما أنّها ليست محدودة بأمد قصير ، وإنّما هي حركة دائبة في طول مسير . والإيمان بالملائكة طرف من الإيمان بالغيب ، الّذي هو مفرق الطريق بين إدراك الإنسان وإدراك الحيوان . كما أنّه إيمان بأنّ هناك وراء الحسّ المشهود ، عالما ملؤه الحيويّة الفعّالة ، وربما كانت هي الّتي تمدّ الحياة هذه على وجه الأرض ! فلا غنا للحياة هذه إذا لم تستمدّ من تلك الحياة العليا ، وملؤها القوى العاملة تحت رعاية اللّه ربّ العالمين . والإيمان بالكتاب والنبيّين هو الإيمان بالرسالات جميعا وبالرسل جميعا . وإذعان بتحقّق الوعد الّذي وعد اللّه هذا الإنسان منذ هبط إلى الأرض أن لا يتركه هملا بلا رعاية ولا عناية ليئنّ تحت هواجسه خائفا وجلا ؛ بل عطف عليه بفضله وإحسانه ، وأرسل إليه رسله تترى بالآيات والبيّنات ، وأوضح له الطريق والهدى إلى السعادة والسّلام .
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
« 1 » . * * * تلك ناحية الإيمان وموضعها الخطير في حياة الإنسان . وهناك ناحية أخرى تلازم الإيمان الخالص للّه تعالى شأنه وهو الإيثار في سبيله تعالى بالمال والإسعاف بحاجة الآخرين ، وفي ذلك إشعار بالتضامن والتكافل في محيط الجماعة المسلمة . وفي قوله تعالى :
عَلى حُبِّهِ
دلالة على مبلغ أهميّة هذا الإيثار ، حيث مع تمكّن حبّ المال في النفوس والاعتزاز به ، مع ذلك يبسط المؤمن يده في البذل في سبيل حبّ الإنسانيّة العليا ، والّتي هي أرقى من حبّ الذات شخصيّا . نعم قيمة إيتاء المال والإيثار به هي الانعتاق من ربقة الحرص والشحّ والضعف والأثرة . انعتاق الروح من حبّ المال الّذي يكاد يقبض الأيدي عن الإنفاق ، ويقبض النفوس عن الأريحيّة ، ويقبض الأرواح عن الانطلاق ، فهي قيمة روحيّة يشير إليها ذلك النصّ على حبّ المال ! ! ثمّ هي قيمة إنسانيّة عليا في محيط الجماعة .
هامش
( 1 ) البقرة 2 : 38 .