تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
وفي كلام العرب شواهد على الرمز بالحروف ، وليس بالأمر الغريب . قال الشاعر « 1 » :
قلنا لها : قفي لنا ، قالت : قاف * لا تحسبي أنّا نسينا الإيجاف
فقد أرادت بقولها : قاف « قد وقفت » فأشارت إليه رمزا بإظهار حرف القاف كناية عن تمام الكلمة . وكذا رمزوا عن النحاس بحرف « ص » ، وعن النقد بحرف « ع » ، وعن السحاب بحرف « غ » . وهكذا سمّوا بالحروف أشياء ، منها جبل قاف ، والحوت نونا . وقد يسمّون الأعلام بها أيضا ، كما سمّوا والد حارثة « لام » فقالوا : حارثة بن لام . وممّا يشهد لذلك أيضا نقصهم الكلمة حروفا ليكون الباقي دلالة عليه ، كما في الترخيم ، في مثل « ياحار » بحذف « الثاء » . و « يا مال » بحذف « الكاف » : وكقول راجزهم :
ما للظليم عال كيف لا يا * ينقد عنه جلده إذا يا
وأراد بالياء ياء المضارعة ، رمزا إلى قوله : يفعل . أي « لا يفعل » و « إذا يفعل » . وقال الآخر :
بالخير خيرا « تا » وإن شرّا « فا » * ولا أريد الشرّ إلّا أن « تا »
فالتاء إشارة إلى قول « تشاء » وبالفاء فاء الجزاء . والمعنى :
بالخير خيرا تشاء وإن شرّا فشرّا * ولا أريد الشرّ إلّا أن تشاء
قال أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري : والشواهد على ذلك كثيرة يطول باستيعابها الكتاب « 2 » .

ما قيل في حلّ تلك الرموز

قيل : إنها بحساب الأبجد . وأول من تنبّه لذلك يهود المدينة ، على حياته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وذلك : [ م / 193 ] لمّا نزلت السورة الكبرى « البقرة » بالمدينة مفتتحة بقوله تعالى :
ألم
جاءت جماعة من أحبارهم - قيل : هم حيّي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب ونفر آخرون - إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقالوا : ما علمنا نبيّا أخبر امّته بمدّة ملكهم بأقلّ ممّا أخبرتهم به . وهي إحدى وسبعون سنة ، على
هامش
( 1 ) في تفسير الخازن 1 : 23 نسبه إلى الراجز ، وهو الأغلب بن عمرو العجلي من الشعراء المخضرمين المعمّرين . مات في وقعة نهاوند في جملة من توجّه من الكوفة مع سعد سنة 21 . وهو أول من رجز الأراجيز الطوال . ومن ثمّ سمّي بالراجز . والإيجاف : الإسراع في السير . ( 2 ) الطبري 1 : 53 .
التفسير الأثري الجامع — صفحة 187 | الشيخ محمد هادي معرفة