تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1196

مساهمون:

ص١١٩٦
وإن القوم ليبلغون في السفاهة غايتها ، ويركبون من الجهل أشرس مطاياه وألأمها . . إنهم كلما سمعوا صريخ النذير ، ازدادوا فرارا منه ، وقربا من موقع الخطر الذي يحذرهم منه . . وإنهم كلما سمعوا صريخ هذا النذير ، جعلوا أصابعهم في آذانهم ، كأنما يسمعون منكرا ، يسدون عليه المنافذ أن يصل إلى آذانهم ، وإنهم لم يقفوا عند هذا ، بل غطّوا وجوههم :
« وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ »
أي جعلوها غاشية تحجبهم عن أن ينظروا في وجه هذا النذير ، حتى لا يروا منه أية إشارة تشير إليهم ، وتحذرهم من الخطر الزاحف عليهم . . ! ! وفي قوله تعالى :
« وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ »
إشارة إلى ما وقع في نفوسهم من جفاء لهذا النذير ، وإلى ما أضمروا من عداوة له . . إنهم يتقونه كما يتقى الأطفال شبحا مخيفا يطلع عليهم في أحلام اليقظة ، فلا يجدون سبيلا إلى الهرب منه ، إلا بحجز حواسهم عنه ، وإغلاق كل المنافذ التي بينهم وبينه ، من بصر أو سمع ! إنهم يغطّون وجوههم بثيابهم ، ويدخلون رؤوسهم في جيوبهم ، خوفا وهلعا من هذا النور الذي يطلع في سماء ليلهم المظلم البهيم . . وقوله تعالى : *
« ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً »
. . هو بيان للأساليب المختلفة التي اتخذها نوح ، لينفذ بدعوته من هذه الحجب الصّفيقة التي أقامتها القوم على أسماعهم ، وأبصارهم . . فهو تارة يدعوهم جهارا ، صارخا صراخ من يتحدث إلى أصمّ لا يسمع ، حتى يخترق بصراخه العاصف ، هذا السد الذي أقاموه على آذانهم . . فلما لم تنفع هذه الوسيلة ، معهم ، أمسك لسانه ، وزمّ شفتيه ، حتى إذا اطمأن القوم إلى أنه قد كف
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1196 | عبد الكريم الخطيب