بعد هذا البيان المبين الذي عرضت فيه الآيات السابقة بعض ما للّه سبحانه وتعالى من قدرة ، وتصريف في هذا الوجود ، وماله من علم يحيط بكل شئ ، وينفذ إلى خفايا الصدور ، وخوالج النفوس - بعد هذا جاءت دعوة اللّه إلى عباده أن يستجيبوا للّه ، وأن يؤمنوا به وبرسوله ، وأن ينفقوا مما أعطاهم من فضله ، وجعلهم خلفاءه فيه ووكلاءه عليه . . وأنه ليس للخليفة ، أو الوكيل أن يخالف أمر من استخلفه أو وكله . .
فالإيمان باللّه ، والولاء له ، والتصديق برسوله ، هو حق الخالق على المخلوق . .
والإنفاق من عطاء اللّه في سبيل اللّه ، هو حق هذا العطاء ، ومطلوب الشكر عليه . .
ومع أن الإيمان باللّه ، والإنفاق من مال اللّه في سبيل اللّه ، هو حق مطلوب أداؤه ، وأداء الحقوق ، هو إبراء الذمة ، لا يستوجب جزاء . . ومع هذا ، فقد أوجب اللّه سبحانه على نفسه - فضلا وإحسانا - أن يجزى على أداء تلك الحقوق جزاء كريما ، وأجرا كبيرا . .
« فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ »
قوله تعالى
« وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ »
بعد أن جاءت تلك الدعوة الآمرة الهاتفة بالإيمان باللّه والإنفاق في سبيله في قوله تعالى :
« آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ »
، وبعد أن أعقب هذه الدعوة هذا الوعد الكريم من اللّه سبحانه وتعالى بالجزاء العظيم ، والأجر الكبير لمن يستجيب لها - جاءت الآيات بعدها لتناقش هذه الدعوة ، ولتلقى أولئك المترددين في قبولها ، لقاء المنكر عليهم موقفهم هذا ، المطالب لهم ببيان العلة أو العلل التي تحول بينهم وبين إجابة داعى اللّه الذي