تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
وليست الحرب النفسية سلاحا يتحصن به المحاربون ، ضد عوامل الوهن والضعف ، التي تدخل عليهم في ميدان القتال ، وإنما هي سلاح أيضا يستخدمه المحاربون في التدسس إلى عدوّهم ، وإشاعة الرعب في نفوسهم ، وإشعال نار الفتن بينهم . . وذلك مجال فسيح للعمل والتدبير ، يحتاج إلى العقل الذكي ، والبصيرة النافذة ، والنظر المتفحص ، وإلا ارتد هذا السلاح إلى اليد التي تضرب به . . ذلك أن المعركة هنا معركة هنا معركة داخل النفس البشرية ، التي لا ساحل لها ، ولا نهاية لأعماقها ، والتي هي دائما في معرض التقلب والتحول ، وفي معاناة المدّ والجزر . . فمن جاءها على حال غير مواتية لها ، غير جارية مع الريح التي تجرى فيها ، لم يبلغ منها شيئا ، بل ربما انقلبت حربا عليه . وقد اهتدى الإنسان بطبيعته ، إلى أن تكون النفس ميدانا من ميادين الحرب التي يشتبك فيها مع غيره من بنى جنسه ، وأن يتخذ منها درعا واقية له . . حيث يدخل المعركة ، وقد صفىّ حسابه بينه وبين نفسه ، وأجلى عنها كل نوازع الخوف من الموت ، أو الإشفاق على ما يخلّف وراءه من ولد ، وأهل ، وصديق . . يقول قطرىّ بن الفجاءة : وقد راودته نفسه على أن يطلب السلامة ، ويدع مواطن الحرب ، وما يتعرض له المحاربون من قتل . . يقول :
أقول لها وقد طارت شعاعا * من الأبطال ، ويحك ، لن تراعى
فإنك لو سألت بقاء يوم * على الأجل الذي لك لم تطاع
فصبرا في مجال الموت صبرا * فما نيل الخلود بمستطاع
وفي الوقت الذي يتخذ فيه المحارب ، من الحرب النفسية درعا حصينة ، يتحصن بها ، من عوارض الخوف والخور ، التي تعرض له - في الوقت الذي يفعل فيه هذا - يعمد إلى الهجوم على نفس عدوّه ، فيريه من بأسه وقوته قبل أن يلقاه ، ما ينخلع به قلبه ، وما تطير منه نفسه شعاعا . .
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 379 | عبد الكريم الخطيب