تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
كما يقول سبحانه :
« فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً
( 17 : الطارق ) . . وقد كان الرسل في هذا فريقين ، فريقا استعجل العذاب لقومه ، بعد أن بلغهم رسالة ربه ، كما يقول اللّه سبحانه على لسان نوح :
« وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً »
( 26 : نوح ) . . وكما فعل يونس ، حين زايل موقفه من قومه قبل أن يؤمنوا باللّه ، وتركهم لمصيرهم ، الذي يصير إليه الضالون المكذبون . . وفريقا صبر وانتظر ، حتى جاء أمر اللّه في قومه ، كما فعل إبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، فلم يدع أحد منهم ربّه بأن يهلكهم ، على كثرة ما ساقت إليهم أقوامهم من ألوان العنت والأذى . . أما النبي صلوات اللّه وسلامه عليه ، فإنه قد جاوز هذه الغاية إلى غاية أخرى ، فكان لسانه دائما داعيا إلى اللّه بهداية قومه ، والصفح عنهم . . حتى في أشد أحوالهم إعناتا وأذى له . . كما كان ذلك في موقفه - صلوات اللّه وسلامه عليه - يوم أحد ، وقد شجه المشركون ، وأسالوا دمه ، وكسروا رباعيته ، فما زاد أن وجّه وجهه إلى السماء ، وبسط يديه إلى ربه قائلا : « اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون » . وثانيا : أن في قوله تعالى :
« وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ »
- إشارة صريحة إلى إلى أن الصبر المطلوب هنا ، هو صبر الإمهال والانتظار ، لا صبر الاحتمال والمعاناة ، - كما أشرنا إلى إلى ذلك من قبل - وهذا يعنى أن الأمر بالصبر الموجه إلى النبي من ربه سبحانه وتعالى ، إنما يراد به تهديد المشركين بالعذاب الذي ينتظرهم ، والذي يطلب إلى النبي ألا يستدعيه لهم ، ولا يستعجل وقوعه بهم ، فهم سائرون إليه ، وسيلقونه عما قريب . . إنها ساعة من نهار ، ثم يلقاهم العذاب الذي يستعجلونه . . وعلى هذا ، فإن الصبر المطلوب من النبىّ ، منظور فيه إلى قومه ، وإلى أنهم لن يعذّبوا في الدنيا ، وإنما سيؤجل عذابهم إلى الآخرة ، كما فعل بأقوام أولى العزم من الرسل . .
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 302 | عبد الكريم الخطيب