وأكثرهم دلالة على جرم المجرمين . . وهذا ما نرى أن القرآن الكريم لم يقصد إليه هنا ، وإلّا لأنطق القلوب التي هي موطن الفساد ، وقائدي الضلال عند أهل الفساد والضلال والكفر ! كذلك فسّر بعض العلماء المحدثين « الجلد » ببصمات الأصابع ، حيث لكل إنسان بصمة أصابعه التي لا يشاركه فيها إنسان غيره ! ! وهذا التأويل محمول فيه الجلد على أنه الذي يكشف عن شخصية الإنسان ، وينادى عليه أن هذا هو فلان « المجرم » فخذوه . . وهذا المعنى أيضا غير وارد فيما سيقت الآية الكريمة له ، وهو أن اللّه سبحانه وتعالى أقام على الكافرين والمشركين والضلّال شهودا عليهم من الجوارح التي كانت في الدنيا من القوى المسخرة لهم ، والتي كانت نعما من نعم اللّه الجليلة عندهم ، لو أنهم أحسنوا الانتفاع بها . . ولكنهم وجّهوها غير وجهتها التي خلقها اللّه لها . . وكان ذلك عدوانا على هذه الجوارح ذاتها ، بتكليفها ما لو كانت لها إرادة لأبت أن تفعله . .
فلما جاء يوم الحساب ، ولم يكن للإنسان سلطان عليها في هذا اليوم ، لأن إرادته قد تعطلت - تمثلت هذه الجوارح شخوصا ، تقف من صاحبها موقف الخصومة ، وتنطق بما ارتكب بها صاحبها من منكرات ، ليقتص لها اللّه سبحانه من صاحبها ، المعتدى عليها . .
والجلود هنا هي - كما قلنا - الثوب الذي يكسو الكيان الإنسانى كله ، ويحوى في داخله هذا الهيكل البشرىّ ، وما حوى من مشاعر ، وأحاسيس ووجدانات . . فشهادة الجلد ، شهادة شاملة لكل ما شهدت به هذه الجوارح من الألسنة ، والأيدي ، والأرجل ، تستدرك ما فات هذه الجوارح أن تشهد عليه ، مما لم يكن داخلا في نطاق وظيفتها . . ولهذا فإنهم - أي أهل الضلال - يتجهون إلى جلودهم وحدها بالاستنكار عليها أن تؤدّى هذه
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1304
مساهمون: عبد الكريم الخطيب
ص١٣٠٤