تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1069

مساهمون:

ص١٠٦٩
فلم يسأل في هذا الادعاء المدعى عليه به ، ولم يوجّه إليه أي حديث ، بل كان الحديث كله بين داود وبين صاحب الدعوى . . إذ يقول له معلقا على دعواه :
« لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ »
. . وكان الموقف يقتضى أن يقول للمدعى عليه ؛ « لقد ظلمته بسؤال نعجته إلى نعاجك » ! . فما جوابك على هذا ؟ . لم يكن شئ من هذا . . بل لقد ذهب الخصمان ، دون أن يفصل بينهما فيما اختصما فيه . . ويخليان مكانهما للخصمين اللذين هما أولى منهما بهذا الموقف : داود وخصمه ، الذي تمثّل له في خطيئته . . وهنا يدرك داود أن هذين الخصمين ، إنما هما ابتلاء من اللّه سبحانه وتعالى له ، ليكشفا له عن أمر كان منه ، فيه مشابه كثيرة من هذه القضية التي بين يديه ، فيذكر هذا الأمر ، ويكون له من ذكره امتحان وابتلاء ، حيث يلتمس السبل في تخليص نفسه مما وقع فيه ، فلا يجد إلا التوبة إلى اللّه ، والاستغفار لذنبه ، وهو في ذلك المقام يتقلب على جمر من الحسرة والندم ، قد كربه الكرب واستبد به الجزع على ما فرّط في جنب اللّه . . إنه أعرف بربه ، وبجلاله وعظمته ، وقدرته ، وبالنعم السابغة التي أضفاها عليه ، ثم هو أعرف بما للّه من غيرة على حرماته ، كما هو أعرف بما للّه من حساب لأوليائه على صغائرهم ، وهم في هذا المقام الكريم الذي أنزلهم فيه . . ومن هنا كان داود في فتنة قاسية ، وابتلاء عظيم ، بعد أن كشفت له تلك القضية عن حال من أحواله ، لا يرضاه عنه ربه ، فغامت نفسه ، وضاقت عليه الأرض بما رحبت . . وقد ظل هكذا في كرب وبلاء عظيمين ، يستغفر ربه ، ويذرف دموع الندم ، إلى أن تلقى إشارة السماء بمغفرة اللّه سبحانه وتعالى له ، ورضوانه عنه ، وإحسانه إليه ! !
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1069 | عبد الكريم الخطيب