وعلى حين يسمع هذا الضال ما سمع . . مكرها - من هذا النذير الذي أمسك به ، وفتح أذنيه ، فإنه يسمع - مكرها أيضا ، وما زالت أذناه مفتوحتين - هذه البشرى المسعدة حقا ، ولكنها ليست له ، وإنما هي لأعدائه ، الذين يسوءه أن ينالهم خير . . فهؤلاء الأعداء ، هم المؤمنون ، وقد أعدّ اللّه لهم جنات النعيم ، خالدين فيها . . وذلك ما وعدهم اللّه به ، وهو وعد حق ، لا يتخلف أبدا ، لأنه من اللّه العزيز ، الذي يعنو لعزته كل شئ ، الحكيم الذي يقوم أمره على الحكمة ، فلا إفراط ، ولا تفريط . .
و « وعد » منصوب بفعل مقدر ، تقديره : وعد اللّه وعدا حقا . . وقد جاء النظم القرآني على تلك الصورة الموجزة المعجزة ، فحذف الفعل ، وأقيم المصدر مقامه ، وأضيف إلى فاعل الفعل .
قوله تعالى :
« خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ »
.
فاللّه العزيز الحكيم ، الذي وعد عباده المؤمنين جنات النعيم ، لن يخلف وعده ، لأنه ذو السلطان الذي يقوم على كل شئ ، وأنه لن يعجزه شئ حتى يخلف ما وعد به . . وإن من دلائل عزّته ، ونفوذ سلطانه ، أنه خلق السماوات ، وأقامها بغير عمد ، وهذا أبلغ في الدلالة على القوة والعزة ، والسلطان .
وقوله تعالى :
« تَرَوْنَها »
يمكن أن يكون حالا من السماوات . . كما يمكن أن يكون في محل جر صفة لعمد ، أي بغير عمد مرئية لنا ، ويكون المراد بالعمد ، الأسباب التي أقام اللّه بها السماء ، والتي تقوم مقام العمد في تقديرنا .
وقوله تعالى :
« وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ »
. . الرواسي