هو ردّ على هؤلاء المجرمين ، الذين أقسموا هذا القسم ، وأنهم ما لبثوا غير ساعة ، وفي هذا الرد تصحيح لما وهموه من لبثهم في الدنيا . . وهذا التصحيح إنما يجيئهم من أهل العلم والإيمان الذين يقولون لهم :
« لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ »
. . وكتاب اللّه ، هو علمه الذي حدّد به آجال الناس ، وأزمانهم ، وأودع فيه أعمالهم ، وما هو كائن في هذا الوجود . .
وقوله تعالى :
« فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ »
- هو خبر يراد به التقريع والنّخس لهؤلاء المجرمين ، فهم يعرفون أن هذا اليوم الذي هم فيه هو يوم البعث ، وإخبارهم به هو تذكير لهم بما كان منهم من إنكار له ، وسخرية واستهزاء بمن كانوا يحدّثونهم به ، والذين كانوا يغرسون في الدنيا ليجنوا ثمار ما غرسوا في الآخرة ، وفي ذلك ما يزيد في آلام المكذبين ويضاعف حسرتهم .
وفي قوله تعالى :
« وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ »
تقريع بعد تقريع ، ونخسة بعد نخسة ! وفي قرن العلم بالإيمان ، إشارة إلى أن العلم الذي لا يثمر عملا لا قيمة له ، وكثير من الذين أوتوا العلم لا يؤمنون باللّه ، بل تغلب عليهم شقوتهم ، ويصبح العلم الذي علموه حجّة عليهم ، يضاعف لهم به العقاب ، وفي هذا يقول اللّه تعالى في علماء بني إسرائيل :
« يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ »
( 71 : آل عمران ) ويقول سبحانه
« وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ »
( 144 : البقرة ) ويقول جل شأنه :
« أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ »
( 75 : البقرة ) . . فالعلم الذي لا يعمل صاحبه بمقتضى ما علم ، هو شؤم على صاحبه ، لأنه لا يهتدى معه إلى