وذلك في قوله تعالى :
« وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ ، وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ »
.
وقد يبدو لمن لا يحس نقد الكلام ، ولا تذوق البلاغة ، أن هذا من التكرار ، الذي يعاب على أرباب البيان ، ويعدّ قصورا في البلاغة ، وفقرا في المعاني التي يملكها الأديب . .
ولكن أهكذا - حقا - يكون حساب التكرار إذا ورد في القرآن الكريم ؟ .
لندع المشاعر الدينية ، حتى يمكن أن نجيب على هذا السؤال ، إجابة قائمة على ميزان النقد البلاغي ، وعلى اعتبار أن هذا كلام ، لا يقوم وراءه سلطان العقيدة ، ولا تزكّيه مشاعر الإيمان . .
ونعرض أولا الآيتين في سياق واحد . . هكذا .
« وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . . »
« اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً ، فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ ، فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ »
. .
وننظر في الآيتين الكريمتين ، فنجد :
أولا : أنه يمكن أن تتصل تلاوتهما معا ، دون أن يحس القارئ أو السامع أن هناك تكرارا في الصورة ، وأن الآيتين يحققان معا صورة واحدة ، لهذه الظاهرة الرائعة من ظواهر الطبيعة . . ومع هذا ، فقد فصل النظم القرآني بين الآيتين بآية أخرى ، ليس فيها لون من ألوان تلك الصورة التي رسمتها الآيتان . .