تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
ومن القيود التي يتقيد بها الناس - غير الشعراء - قيد الكلمة ، وإخراجها من حيّز الكلام إلى عالم الواقع . . أما أن يرسل المرء الكلام هكذا ، من غير أن يكون هذا الكلام صادرا عن إحساس به ، وتصور له في صورة عمل يعمله الإنسان ، وسلوك يعيش به في الناس ، فهو من غير الشعراء ، كذب ونفاق ، ثم هو من الشعراء خيال ، هو من مستلزمات هذا الضرب من الكلام ، الذي لا يطلب منه الناس الحقيقة عارية ، وإنما يروقهم أن يروها في هذا الجوّ الشاعريّ الحالم ! ! يروى أن عبد الملك بن مروان سمع الفرزدق الشاعر ، وهو ينشد بين يديه هذه الأبيات ، من قصيدة له :
ثلاث واثنتان فهنّ خمس * وواحدة تميل إلى شمام
فبتن بجانبيّ مصرّعات * وبتّ أفض أغلاق الختام
فقال عبد الملك ، يا فرزدق ، قد أوجبت عليك حدّ الزنا ، ولا بدّ من رجمك ، فقال وبم أوجبت عليّ الحدّ يا أمير المؤمنين ؟ قال بكتاب اللّه . . قال فإن كتاب اللّه يدرأ عنى الحدّ ! قال وكيف ؟ قال فإن اللّه سبحانه وتعالى يقول في الشعراء :
« وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ »
وأنا هنا شاعر ، وقد قلت ما لم أفعله ! هكذا يرى الشاعر نفسه ، وكهذا ينبغي أن يراه الناس ! قوله تعالى :
« إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ »
- هو استثناء من الحكم العام الذي أوقعته الآيات الثلاث السابقة ، على الشعراء . . ووصفتهم بتلك الصفة الغالبة عليهم ، وهي أنهم غواة يتبعهم الغاوون ؛ لأنهم يهيمون في كل واد من أودية الخيال ، والضلال ، وأنهم يقولون ولا يلتزمون بما يقولون . ( م 13 - التفسير القرآني - ج 19 )