تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
تلك الظاهرة - ظاهرة الميلاد - التي يرى فيها البدوىّ وجه الحياة مطلّا عليه ، في صورة وليد أو وليدة له من بين هذا الموات العريض الذي يملأ كل دنياه ، وإذا هذه الحياة البازغة عنده ، محملة بألوان الضرّ والبلاء ، ملففة في أكفان الموت الرهيب ! وفي « الرثاء » الذي نجده في مخلفات الشعر الجاهلىّ ، ما يشهد لما في الطبيعة العربية الجاهلية من تعلق بالحياة والأحياء ، وخاصة حياة الأبناء ، وفلذات الأكباد . . ففي تلك المقطعات من الشعر ، نشمّ ريح أكباد تحترق ، ونجد مسّ أنفاس تلتهب ، ونحس أنين زفرات لا تكاد تنقطع ، وتساقط عبرات لا تكاد ترقأ . فعلى الذين يتخذون من هذا الفعل الذي كان يفعله بعض الأعراب بأبنائهم - شاهدا على وحشيّة العرب ، وفساد طبيعتهم ، وانتكاس البشرية فيهم - عليهم أن يصححوا نظرتهم إليهم ، وأن يردّوا هذه الظاهرة إلى أصلها الذي جاءت منه ، وسيرون من هذا ، أن قتل بعض الأعراب لأبنائهم ، كان - حسب تقديرهم - حماية لهم من الموت البطيء ، وفرارا بهم من ملاقاة تلك الحياة القاسية المهلكة . . ولأمر ما تأكل بعض الحيوانات أبناءها . . كما تفعل القطط مثلا ، حين ترى أولادها في معرض الهلاك ، من عدوّ يهجم عليها ، وينتزعها منها . . إنها حينئذ لا تجد مكانا أمينا تغيبهن فيه عن عين عدوّها إلا بطنها الذي خرجن منه منذ قليل ! أمّا وأد البنات ، فهو فرع من هذا الأصل ، وهو قتل الأبناء خشية الفقر . . وأنه إذا كان بعض الآباء يمسك البنين ، ويئد البنات ، فلأن البنات أقلّ احتمالا من الأبناء ، ولأن في تعرضهن لهذه الحياة القاسية ما قد يمسّ شرفهن . ويلحق العار بهن وبآبائهن ! ولهذا كان وأد البنات فاشيا أكثر من قتل الأبناء !