تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 939

مساهمون:

ص٩٣٩
ولكن الحقيقة كامنة وراء هذا الظاهر ؛ الذي تقف على حدوده الأبصار الكليلة ، والبصائر المغلقة . . فلو ذهب ذاهب يفتش عن هذا الإنسان ، لوجد باطن أمره على خلاف ظاهره . . وأنه وإن بدا في مرأى العين فقيرا ، فهو في واقعة غنىّ ، وأنه إن حسب في عداد الناس شقيّا فهو عند نفسه سعيد ، وأنه إن عدّ في منازل الرجال قزما قميئا ، فهو طوال عملاق ، لا يقاس به أطول الرجال ، وأنه إن بدا ضعيفا هزيلا ، فهو قوى جبّار ، يضع قدميه فوق رؤوس الأقوياء والجبارين . . فهذا الإنسان الذي لا تأخذه العيون ، ولا تقف عنده الأنظار - هو قلب ينبض بالرضا ، ونفس تتنفس السعادة ، وروح تستروح الغبطة . . يجد برد العافية يمس كل مشاعره ووجداناته ، وأنسام النعيم تعطر الحياة من حوله ، فيخطر فيها متراقصا كما يتراقص الفراش على أزهار الرّبا ! وإن هذا الإنسان الذي لا نشبع بطنه من لقمة العيش . . هو قائم على مائدة حافلة بالطيبات من المثل الكريمة الفاضلة ، يتخير منها ما يطيب له ، لغذاء عواطفه ومشاعره . . وهذا الإنسان الضعيف الهزيل ، الذي لا يكاد تحمله قدماه . . هو نسر يضرب بجناحيه فوق هذا العالم الترابي ، محلقا في سماوات لا حدود لها ، حتى ليكاد يطاول النجوم في أفلاكها . . أتريد لهذا شاهدا يشهد لما نقول ؟ اقرأ سير الأبطال - أبطال الإنسانية الحقيقيين - الذين كانت دنياهم جنة من جنات اللّه على هذه الأرض . . فعرفوا طعم السعادة ، ورضعوا أخلاف النعيم ،
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 939 | عبد الكريم الخطيب