وإنه - في دينه ومروءته - ليؤثر السّجن على ما يدعونه إليه من إثم . .
ولكن للاحتمال طاقة ، وللصبر حدّ ، ولن يمسك عليه دينه ، ويدفع عنه هذا البلاء الذي لا يحتمل ، إلّا عون يعينه اللّه به ، وقوة يضيفها اللّه إلى قوته .
« وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ » .
. فصرف هذا الكيد ، وإبعاد تلك الفتنة من طريقه ، هو الذي يصرفه عن هذا البلاء ، ويعافيه من هذا الشرّ ، وذلك برعاية اللّه سبحانه وتعالى له ، وصرف السوء عنه .
« فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ . . إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » . .
ولا تسل ما تدبير اللّه في هذا ، فذلك من قدرة اللّه ، ومن آياته . .
« ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ » . .
أي ثم بدا للعزيز ، مع ما شاهد من الآيات الدالة على عفّة يوسف وبراءته مما رمته امرأته به - بدا له أن يأخذه بشيء من العقاب ، وأن يلقى به في السجن ، وذلك بعد أن هدأت نار الفتنة ، ونسي الناس أمرها ، حتى لا يقال : إن العزيز قد ألقى بيوسف في السجن عقابا للحدث الذي كان بينه وبين امرأته .
وتعالت حكمة اللّه . . ! ! لقد كان هذا السجن هو الصّارف الذي صرف به سبحانه وتعالى هذا الكيد الذي يراد بعبد من عباده المخلصين . . فلقد عزله هذا السجن عزلا تامّا عن موطن الفتنة ، وباعد بينه وبين آفاقها التي تطلع عليه منها . .
ثم كان هذا السّجن الطريق الذي سلك به إلى هذا الملك الذي أراد سبحانه وتعالى أن يضعه بين يديه :
« وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ »
.