والمراد بهؤلاء القوم هو رؤوس الكفر ، من مشركي مكة ، الذين علم اللّه أنهم لن يؤمنوا ، كما يقول سبحانه وتعالى فيهم :
« وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً * وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا .
( 57 - 58 : الكهف ) .
فقوله تعالى :
« فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ »
مراد به هؤلاء العتاة من رؤوس المشركين من قريش . . إنهم لا يؤمنون أبدا بهذا الرسول الذي كذّبوا به ، وبما أنزل إليه من آيات ربّه ، فما ينزل من آيات اللّه بعد هذا ، وما يساق إليهم فيها من عبر وعظات في قصص الأولين - كل هذا لن يزيدهم إلا نفورا . .
« كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ »
ذلك الطبع الذي لا ينفذ منه إلى القلب لمعة من نور الحق أبدا .
وقوله تعالى :
« وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ »
هو وصف كاشف لهؤلاء الرؤوس من أهل الشرك في قريش . وأمّا العهد الذي نقضوه مع اللّه فهو قولهم الذي حكاه القرآن عنهم :
« أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ »
( 156 - 157 : الأنعام ) فهم قد عاهدوا أنفسهم أن لو جاءهم كتاب كما جاء أهل الكتاب كتاب ، لآمنوا باللّه ، وكانوا أهدى سبيلا من أهل الكتب السابقة .
وقوله تعالى :
« وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ »
. . : « إن » هنا هي المخففة من إنّ الثقيلة المؤكدة ، واللام في قوله تعالى : « لفاسقين » هي اللام