المخلوقات ويطعمها ، ويمدّها بما يحفظ وجودها ، دون أن يكون لهذا مقابل . .
وإنما هو فضل وكرم من ربّ العالمين ، المستغنى عن كلّ عون ، الغنىّ عن كل مخلوق . . وكيف لمن كان مصدر العطاء أن يكون محتاجا إلى عطاء ؟
وكيف لمن يستمدّ منه العون أن يكون محتاجا إلى معين ؟ تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا .
وقوله سبحانه :
« قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ »
هذا ما أمر به النبىّ من ربّه ، وهو أن يكون أول من أسلم وجهه للّه ، وأول من ألقى بنفسه بين يديه ، ووالاه . . إذ كان صلى اللّه عليه وسلم - هو مفتتح دعوة الإسلام ، وحامل رسالتها إلى المسلمين ، فكان أول من آمن بها ، واستقام على هديها . . وذلك بعد أن استدلّ على خالقه بتفكيره في خلقه ، وأنكر أن يتخذ وليّا من دونه ، وهو الذي فطر السماوات والأرض . . وهو الذي يطعم ولا يطعم ، فإذا جاءت دعوة اللّه تعالى إليه صادفت تلك الدعوة قلبا مستقبلا لها . .
والأمر هنا ، هو الدعوة إلى الإيمان باللّه ، من اللّه ، وإلى نبي اللّه ، وليس في هذا الأمر إلزام ولا قهر ، ولكن النبىّ الكريم في استجابته لربّه ، وفي مبادرته إلى الاستجابة ، واحتفائه بها ، وشدّ نفسه إليها ، وعقد قلبه عليها كل أولئك قد جعل الدّعوة الإلهية أمرا يتلقّاه النبىّ بكيانه كله ، ويعطيه كل ما قدر عليه من قوة وعزم .
وقوله تعالى :
« وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ »
هو عطف على الأمر المفهوم من قوله تعالى :
« أُمِرْتُ »
أي أن اللّه سبحانه وتعالى أمرني بأن أكون أول من أسلم ، فقال لي : كن أول من أسلم ، ونهاني عن أن أشرك به فقال لي : ولا تكوننّ من المشركين . .
وقوله تعالى :
« قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ »