وفي قوله تعالى بعد ذلك :
« خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ »
دعوة مجدّدة ، بعد هذه الآية المجدّدة ، إلى أن يقبلوا على اللّه ، وأن يشدّوا قلوبهم إلى الكتاب الذي أنزل إليهم ، وأن يذكروا ما فيه ، فلعلّ ذلك يحيد بهم عن طريق الضلال الهائمين فيه ، ويقيمهم على طريق الهدى الذي طالت غربتهم عنه .
و « لعل » هنا الدالة على الترجّى ، إنما يتوجه بها إلى المخاطبين ، وإلى ما عندهم من استعداد لهذا الخطاب ، فهم على رجاء من القبول ، أو التوقف ، أو النكوص على الأعقاب . . وهكذا كل صيغة رجاء واردة في القرآن الكريم ، إنما هي للمخاطبين ولموقفهم من فحوى ما خوطبوا به ؛ وليس لهذا الترجّى متوجّه إلى اللّه ، الذي يرجى ولا يرجو .
والقوم هنا لم يستجيبوا لتلك الدعوة ، بل تولّوا ونكصوا على أعقابهم ، ولكن اللّه أمهلهم ، ولم يعجّل لهم العقاب ، كما وقع لأسلاف لهم من قبل . . خالفوا أمر اللّه واعتدوا في السّبت ، فمسخهم اللّه قردة ، وأنزلهم من مرتبة الإنسان إلى مرتبة الحيوان ، فما أبشع تلك صورة وأخسّها ، يعيشون في صور القرود بمشاعر الإنسان ، وإدراك الإنسان ، وذلك هو العذاب ، ولعذاب الآخرة أخزى وأوجع ! .
ولنا أن نذكر هنا ، أن تحوّل هؤلاء الممسوخين من الإنسان إلى القرد يمكن أن يستأنس به في بحثنا الذي عرضناه من قبل ، في خلق الإنسان وفي تطوره في الخلق ، وأن الإنسان كما انتقل صاعدا من قرد إلى إنسان ، كذلك ردّ نازلا من إنسان إلى قرد ! .
ولعلّ في قوله تعالى :
« خاسِئِينَ »
ما يقوّى هذا الرأي الذي ذهبنا إليه . .
إذ يقال في اللغة : خسأ الكلب يخسأه خسأ : طرده ، وخسأ البصر