يسمى تجريدا لأن التجريد لائق به وهذا هو نصف تجريد لأنك لم تجرد به عن نفسك شيئا وإنما خاطبت نفسك بنفسك كأنك فصلتها عنك وهي منك ، ومما جاء منه قول عمرو بن الاطنابة :
أقول لها وقد جشأت وجاشت * مكانك تحمدي أو تستريحي
وقول الآخر وقد قتل أخواه ابنا له فقدم إليه أخوه ليقتاد منه فألقى السيف من يده وأنشأ يقول :
أقول للنفس تأساء وتعزية * إحدى يديّ أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه * هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
وذكر أبو علي الفارسي كلاما جميلا بصدد التجريد فقال :
« إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ومحصوله فتخرج ذلك المعنى إلى ألفاظها مجردا من الإنسان كأنه غيره وهو هو بعينه نحو قولهم : لئن لقيت فلانا لتلقين به الأسد ولئن سألته لتسألن به البحر وهو عينه الأسد والبحر لا أن هناك شيئا منفصلا عنه أو متميزا منه » ثم قال « وعلى هذا النمط كون الإنسان يخاطب نفسه حتى كأنه يقاول غيره كما قال الأعشى :
ودّع هريرة إن الركب مرتحل * وهل تطيق وداعا أيها الرجل