ومضى عبد القاهر في تحليله لبيت بشار فقال : أما ان الجملة مستأنفة مع إنّ فلأنها غير معطوفة على ما قبلها بالواو وهي واقعة في جواب سؤال مقدر فكأن سائلا سأل : ولما ذا يطلب إلى صاحبيه أن يبكرا قبل الهجير فكان الجواب : إن ذلك النجاح في التبكير واما انها تصل جملتها بالجملة السابقة فالدليل عليه أنك لو أسقطت « إن » من الجملة لرأيت الجملة الثانية لا تتصل بالأولى ولا تكون منها بسبيل حتى تجيء بالفاء فتقول : بكرا صاحبي قبل الهجير فذاك النجاح في التبكير ولعل ذلك هو سر لطفها ودقتها وجزالة التعبير بها وهو سمة البناء الأعرابي الوحشي على عكس ما لو قال : بكرا فالنجاح في التبكير فهو بناء سهل واضح الترابط بالفاء وذلك سمة بناء الجمل عند المولّدين وإذا كانت الفاء تفيد الربط فإنها لا تفيد التوكيد الذي تدل على « إن » وهذا البناء الجزل هو الذي جاء في القرآن إلى درجة لا يدركها الإحصاء .
ويروي عبد القاهر في دلائل الاعجاز حديث يعقوب بن إسحاق الكندي المتفلسف إذ ركب إلى أبي العباس وقال له : إني لأجد في كلام العرب حشوا فقال له أبو العباس : في أي موضع وجدت ذلك ؟
فقال : أجد العرب يقولون : عبد اللّه قائم ثم يقولون : إن عبد اللّه قائم ثم يقولون : إن عبد اللّه لقائم فالألفاظ متكررة والمعنى واحد .
كلام العرب حشوا فقال أبو العباس : في أي موضوع وجدت ذلك ؟
فقال أبو العباس : بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ فقولهم عبد اللّه قائم إخبار عن قيامه وقولهم إن عبد اللّه قائم جواب عن سؤال سائل وقولهم : إن عبد اللّه لقائم جواب عن انكار منكر قيامه فقد تكررت الألفاظ لتكرر المعاني .
اعراب القرآن الكريم وبيانه — صفحة 547
مساهمون: محيي الدين الدرويش
ص٥٤٧