تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اعراب القرآن الكريم وبيانه — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
والجواب أنه أتى بها وقد أغنى عنها ذكر التولي في الظاهر أما في الحقيقة فهو لم يغن عنها لأن التولي قد يكون بجانب دون جانب كما يكون الاعراض ، ولما أخبر سبحانه بذكر توليهم متمما للمعنى في حال الخطاب لينفي عنهم الفهم الذي يحصل من الإشارة ، فإن الأصم يفهم من الإشارة ما يفهمه السامع من العبارة ، ثم علم سبحانه أن التولي قد يكون بجانب دون جانب كما قدمنا فيجوز أن يلحظ بالجانب الذي لم يتول به فيدرك بعض الإشارة والمراد نفي كل الإشارة فجاءت الفاصلة « مدبرين » ليعلم أن التولي كان بجميع الجوانب بحيث صار ما كان مستقبلا مستدبرا فاحتجب المخاطب عن المخاطب إذ صار من ورائه فخفيت من غيبه الإشارة كما صمّت أذناه عن العبارة فحصلت المبالغة الكلية في عدم الاسماع البتة ، وهذا تمثيل مثلت به حال هؤلاء القوم أتى مدمجا في الإيغال وهذا الضرب من الإيغال يسمى ايغال الاحتياط . وهناك ضرب آخر وهو ايغال التخيير وقد مضى شاهده في سورة المائدة ، وقد قدمنا في المائدة ما فيه الكفاية من أمثلة الإيغال ، ونورد هنا نماذج منه : يحكى أن إخوة ليلى لما علموا بحب توبة بن الحمير العقيلي لها نذروا دمه وارتحلوا بها ، فقال توبة :
وان يمنعوا ليلى وحسن حديثها * فلن يمنعوا عني البكا والقوافيا
فهلا منعتم إذ منعتم حديثها * خيالا يوافيني مع الليل هاديا