تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اعراب القرآن الكريم وبيانه — صفحة 505

مساهمون:

ص٥٠٥
3 - وقسم لا يكون الإغراب في معناه ولا في ظاهر لفظه ، بل في تأويله ، وهو الذي إذا حمل على ظاهره كان الكلام معيبا وإذا تؤوّل رده التأويل إلى نمط من الكلام الفصيح ، فأماط عن ظاهره العيب . والآية الكريمة منه ، فإن لقائل أن يقول : إن لفظة « أصبحوا » في الظاهر حشو لا فائدة فيه ، فإن هؤلاء المخبر عنهم بالخسران قد أمسوا في مثل ما أصبحوا ، ومتى قلت : أصبح العسل حلوا ، كانت لفظة « أصبح » زائدة من الحشو الذي لا فائدة فيه ، لأنه أمسى كذلك . وقد تحيل الرمانيّ لهذه اللفظة في تأويل تحصل به الفائدة لجليلة التي لولا مجيئها لم تحصل ، وهي أنه لما قال : لما كان العليل الذي قد بات مكابدا آلاما شديدة تعتبر حاله عند الصباح ، فإذا أصبح مفيقا مستريحا من تلك الآلام رجي له الخير ، وغلب على الظنّ برؤه وإفاقته من ذلك المرض ، وإذا أصبح كما أمسى تعيّن هلاكه ، بجريان العادة بهيجان الإعلال في الليل وسكونه عند الصباح . وشبهت حال الأشقياء بالعليل الذي أصبح من الألم على ما أمسى ، فهو ممن ييئس من إصلاحه ، وعلى هذا تكون لفظة « فأصبحوا » قد أفادت معنى حسنا جميلا ، وخرجت عن كونها حشوا غير مفيد . ولما أخبر اللّه سبحانه بأنه حبطت أعمالهم علم بالقطع أنهم أصبحوا خاسرين ، فلفظة « أصبحوا » لا يصلح غيرها في موضعها ، ولا يتم المعنى إلا بها . وما مثّل به الرماني من قوله : « أصبح العسل حلوا وقد أمسى كذلك » إنما يقال هذا في الأمور الواقعة في دار الدنيا ، لأن زمانها فيه صباح ومساء ، فلما أصبح فيه على الحال التي يمسي عليها فذكر الصباح فيه والمساء حشو لا فائدة فيه ، وأما يوم القيامة الذي لا مساء فيه فإن تمثيله بما أصبح في الزمن الذي يصاحبه مساء تمثيل غير مطابق له .
اعراب القرآن الكريم وبيانه — صفحة 505 | محيي الدين الدرويش