بل هو حالة تتحرك لملاحقة كل الظواهر الكونية والحيوانية من أجل الوصول إلى الأسرار التي تمنح الإنسان المعرفة الإيمانية من موقع النظرة العميقة والفكر الواسع . وإذا أراد اللّه أن يحاسب الإنسان على إيمانه ، فإنه يحاسبه من خلال أنه يملك الحجة عليه لتوفّر كل عناصرها في الكون ، ففي كل أفق لمعة من لمعات المعرفة الدالة على اللّه ، وفي كل موجود في الأرض والسماء شاهد على عظمته سبحانه ، وفي كل حوار من حوارات العلم المنفتحة على الحقيقة ، أكثر من نافذة تطلّ على مواقع الإيمان به فليست المسألة مسألة مؤاخذة على الفكر في شبهاته الطارئة ومشكلاته العالقة التي لا يملك لها حلا ، أو على القناعة بما يملك عليها من حجة ، بل هي مسألة قيام الحجة على الإنسان في عقله الذي يملك أن يصل بالأشياء إلى نتائجها الأخيرة ، بحيث يتميز الحق فيها من الباطل ، وفي الوسائل الكثيرة التي يصل ، من خلالها ، إلى مفردات المعرفة ، في ما أودعه اللَّه فيه من الخصائص في عناصر الإحساس من السمع والبصر واللمس والشمّ والذوق ، وفي وحيه الذي أنزله على رسله ليبلغوه إلى عباده ليتأملوا فيه ، وليتعرفوا إلى ما يقدمه من فكر ، وما يخطط له من منهج ، أو يثيره من احتمالات ، أو يكشفه من آفاق ، ليكون التأمل المتعمق في الفكر والبحث السائر نحو الحقيقة ، هما الحجة التي يحتج اللَّه على الإنسان بها ، في ما لا يملك أن يرده أو ينكره .
فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ
فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ
فتلك هي مهمتك ، أن تطرح الكلمة التي تهز سمع الناس ، لتنفذ إلى عقولهم ، ولتفتح في داخلها نافذة للتفكير في حساب كل تلك الاحتمالات ، ليعيشوا قلق المعرفة في مسؤولية المصير ، وأن تحرّك الأسلوب الذي يتفاعل مع فطرتهم ومشاعرهم وتطلعاتهم ، ليثير اهتماماتهم