تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣

موسى يواجه الأذى من قومه

وليس هذا الوضع المنحرف الذي يختلف فيه الفعل عن القول ، ببدع في المجتمع الديني ، في ما كان يمارسه بعض المسلمين في زمان الدعوة ، مما كان يؤذي النبي محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، بل كانت المشكلة سابقة مع موسى عليه السّلام الذي عمل على إنقاذ قومه من ظلم فرعون ، حتى أخرجهم من العبودية إلى الحرية على أساس الدعوة التوحيدية التي تجعل الناس خاضعين للّه وحده في السير وفق أوامره ونواهيه ، ولكنهم كانوا خاضعين لرواسب العبودية التي تمنعهم من التطلع إلى آفاق الحرية في آفاق اللّه .
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ
بعد أن قطع معهم شوطا طويلا عانى فيه الكثير الكثير من المشاكل والتحديات ، من أجل أن يخرجهم من الظلمات إلى النور ، وتألم أشد الألم من أجلهم ، حتى كان إرسال بني إسرائيل معه المطلب البارز الذي قدمه إلى فرعون ، لأنه كان يريد أن يجعل من مجتمع الاستضعاف ، الذي عاشوا فيه القهر والذل ، مجتمعا إيمانيا قويا يحرك كل ذكريات الماضي من أجل أن تتحول إلى ثورة عاصفة في وجه الاستكبار ، على أساس شريعة اللّه القائمة على العدل والحرية . وبدأ بالدعوة في أوساطهم ، ووضعهم في قلب التجربة ، وأعطاهم الحرية في التعبير عن أفكارهم ، انطلاقا من إنسانية الدين في احترام إنسانية الإنسان . ولكنهم كانوا معتادين على الخضوع المطلق للجبار الذي يفرض عليهم إرادته بالقهر ، فلم يحترموا الشخص الذي يكلمهم بمنطق الإنسان ، حتى قالوا له : « أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا » وهكذا استمروا في إيذائه وفي مطالبهم التي لا تنتهي ، وفي مشاكلهم التي لا تعد ، وفي تمردهم على أوامره ونواهيه حتى ضاق بهم ذرعا فقال لهم - من موقع المستنكر المتألم لا من موقع اليائس المنهزم - :
من وحي القرآن — صفحة 183 | السيد محمد حسين فضل الله