فكيف يقوّمون أنفسهم ، ذاتيا وطبقيا ، فهم ليسوا بأعظم من قوم تبّع ، وهو أحد ملوك حمير باليمن ، فقد
أَهْلَكْناهُمْ
لما كفروا وتمردوا
إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ
فعاقبناهم على جريمة الكفر والعناد .
وقد ورد عن تبّع أنه كان من المرسلين المؤمنين ، وقيل إنه قال للأوس والخزرج : كونوا هاهنا حتى يخرج هذا النبي ، أمّا أنا لو أدركته لخدمته وخرجت معه « 1 » .
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ
فليس هناك أيّ عبث في طبيعة الخلق وفي مفرداته وتفاصيله ، فلكل واحد من خلقه سرّ في عمقه وفي حركته وفي هدفه ، لأن اللَّه لا يلعب ولا يعبث ، والعبث بالنسبة له محال ، لأن العبث ينطلق من حالة فراغ أو ملل يبحث صاحبها عما يملأه فيها ، أو يجدد حيويته ، وهو أمر لا معنى له في ذات اللَّه التي تمثّل الكمال المطلق الذي لا يحتاج إلى شيء ، ولا يعرض عليه الضعف الذاتي
ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
والحق يمثل الغاية المشتملة على الحكمة في تحقيق التوازن بين الأشياء ، بحيث تضع كل شيء في موضعه وتجعل له هدفا يحرّكه في الاتجاه الصحيح ، وهذا ما يدركه العقل الواعي وتقود إليه التجربة العملية التي تلاحق الظواهر الكونية وحركة الحياة والإنسان ، حيث تمثل السنن الكونية والحياتية قوانين تحكم الواقع وكل ما يحدث فيه من أمور بحيث لا تترك مجالا للصدفة فيها .
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
لا يدركون نتائج أعمالهم لأنهم لا يتابعون دراسة المقدمات ولا يتحركون ليأخذوا بأسباب العلم ، ليعرفوا كيف يستنبطون منه الحقيقة .
هامش
( 1 ) مجمع البيان ، ج : 9 ، ص : 101 .