الإلهية لتغمر كل حياته ، وابتعدت الأزمات عن الداخل النفسي ، وعن الواقع الخارجي ، واستراح للغنى بعد الفقر ، وللصحة بعد المرض ، وللأمن بعد الخوف ، وللعلوّ بعد الانحطاط ، نسي ربّه وفضله عليه ، وحركة نعمته في وجوده وفي امتداد حياته ، واستغرق في ذاته ، في العنصر المباشر من حركتها ، وفي الطاقات البارزة في حركته ، فأصبح يتحدث عن هذه النعم الكثيرة التي تملأ كل وجوده ، من خلال الميزة الشخصية التي يملكها ، فيعيد الفضل إلى ما يملكه من علم وخبرة وقوّة وحسن إدارة وذكاء وشطارة ونحو ذلك ، فلا دخل للّه بنظره في ذلك ، ولا حاجة به إليه ، بل هو التفوق الذاتي في كل شيء .
ولكنها الغفلة عن الحقيقة الكامنة في عمق الأشياء ، فإنه لا يملك شيئا إلا ما أعطاه اللَّه إياه بشكل مباشر أو غير مباشر ، ولم تكن هذه العطايا امتيازا من اللَّه له ،
بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ
في ما يفتن اللَّه به عباده ، ويمتحنهم ويختبر إيمانهم ، وهو العالم به ، ليظهر جوهره في أنفسهم وأمام الناس . إن ما يجدونه من السعة والجاه والقوّة يخيّل لهم أنهم يملكونه بأنفسهم ولا يحتاجون إلى اللَّه إلا من عصمه اللَّه منهم ، فكان واعيا للمسألة في عمقها الواقعي ، وفي معناها الإلهي ، مما يجعل من الإنسان عارفا بحاجته إلى اللَّه في كل شيء ، وأنه لا يقدر على أيّ أمر إلا ما أقدره اللَّه عليه في كل قضاياه وقدراته الخاصة والعامة ،
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
لأنهم يرتبطون بالجانب الحسي المباشر بالأمور ، ولا يلتفتون إلى ما تحت السطح ، أو في آفاق الغيب ، ليعرفوا أن اللَّه وراء ذلك كله .
قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
الذين رزقهم اللَّه من مال وجاه وقوّة ، فقالوا إنهم حصلوا عليها من خلال أنفسهم في طاقاتها الذاتية ،
فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
من هذه الأشياء التي اكتسبوها بقوتهم - كما يرون - ولم تفدهم كل هذه القوّة ، لأنها لا تمثل أيّة قيمة مستقلة قادرة أمام اللَّه ، فهي من بعض نعمه ، كما أنهم من بعض مخلوقاته .