تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
قسمنا السير فيها بحيث كانت مراحل السير متوازنة ، فيصبح المسافر في واحدة منها ، ويمسي في أخرى في أجواء ملائمة ،
سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ
لأن الأوضاع التي كانت تسود خط السير في كل القرى المتتابعة كانت طبيعية آمنة ، بعيدة عن أجواء النزاع والخلاف ، مما يجعل السائر فيها يشعر بالأمن والطمأنينة والاستقرار النفسي . وهكذا كان وضع قوم سبأ في حلّهم وترحالهم ، في أمان واطمئنان ، فلا يخشى أحد منهم على نفسه ، ولا على ماله ، ولا يحتاج في سفره إلى أيّ جهد . ولكنهم كفروا بنعمة اللَّه ، ولم يشكروا له ،
فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا
فقد مللنا من هذا الرخاء الذي لا يثير فينا جهدا ، ولا يكلفنا تعبا ، ولا يخلق لنا مشكلة ، - قالوها - من موقع كفرهم بالنعمة ، وابتعادهم عن اللَّه ، فلم يطلبوها بألسنتهم ، ولكن أعمالهم فرضت ذلك ، فكأنّ أعمالهم تنادي بذلك . وربما كان الأمر جاريا على سبيل الحقيقة ، فإن الناس قد يملّون من الرخاء فيطلبون الشدّة ، ولهذا طلبوا أن تكون طريقهم إلى الشام ، طريق فلاة وصحراء ، يعانون فيها جهد السير وظمأ القلب وجوع الجسد ،
وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
بالابتعاد بها عن الطريق المستقيم الذي يوفر عليهم كل النتائج السلبية في الحياة
فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ
تتناقلها الأجيال ، للعبرة أو للتسلية ،
وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ
أي فرقناهم في كل البلاد ،
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ
أي دلالات
لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
ليعرف كيف ينقذ الصبر والشكر صاحبه من الهلاك .
من وحي القرآن — صفحة 34 | السيد محمد حسين فضل الله