تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
وأطاعوه
إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
الذين انفتحوا على اللَّه من مواقع الحق المشرق في آفاق الفكر الواعي الممتد في كل رحاب الحياة ، فيزنون الأمور بموازينها ، ويقيسون القضايا المتنازع عليها بمقاييسها الدقيقة ، ويناقشون الأفكار بحكمة ، ويبلورون القناعات بعمق وصفاء . . . هؤلاء الذين لا يدخلون الغرائز في آفاق العقيدة ، ولا يثيرون الأفكار في ساحة الشهوات ، ولا يحركون المواقف في أجواء الأطماع ، بل يضعون كل شيء موضعه ، فللفكر موقعه ، وللغريزة مواقعها ، ففي الفكر عمق الانتماء وامتداد القناعة ، وفي الغريزة حاجة الحس وغذاء الجسد ، فلا يختلط موقع أحدهما بموقع الآخر ، لتتوازن القضايا عندهم في طبيعتها ، وتتركز في نتائجها .
وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ
فليس له أن يقهر أحدا على اعتناق فكرة معينة ، أو يجبر أحدا على سلوك طريق معين ، فللإنسان حريته في اختياره ، من خلال ما يملكه من عقل وإرادة . وكما الإرادة تخضع لتوجيهات العقل والإيمان ، فقد تميل إلى الشهوات المحرمة التي يثيرها إبليس بوسوسته وتزيينه وإثارته للإغراء في أكثر من موقع للإنسان ، ليقف الناس بين الحق والباطل ، والخير والشرّ ، وليعيشوا حركة الاهتزاز في عملية الاختيار ، ولم يكن ذلك
إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ
على أساس الالتزام بالعمق الفكري للمسألة الذي يضع الإيمان بالآخرة في نصابها الصحيح من موقعها في ساحة الحقيقة ، ومن اعتبارها أساسا لإبعاد الوجود الإنساني - وفق إرادة اللَّه - عن دائرة العبث
مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ
لخضوعه للاهتزاز الفكري المشدود إلى اهتزاز الحسّ في مألوفاته وفي غرائزه وشهواته ، فلا يستقر على رأي ، ولا يطمئن إلى موقف ،
وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ
لا يفوته أيّ شيء مما يحدث في الكون ، ولا مما يفكر به الإنسان . وقد توحي كلمة
لِنَعْلَمَ
بأن تحريك الشيطان للدخول في مشاعر الإنسان ، يستهدف أن يعلم اللَّه المؤمنين من الشاكّين ، مما يعني أن اللَّه يحتاج
من وحي القرآن — صفحة 36 | السيد محمد حسين فضل الله